تفسير سورة المائدة من الآية أحد عشر إلى عشرين
- تفسير سورة المائدة من الآية أحد عشر إلى عشرين
يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (11) ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل (12) فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين (13) ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون (14) يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين (15) يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم (16) لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير (17) وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير (18) يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير (19) وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين (20) - {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا} بأن [يمدوا] {إليكم أيديهم} بالقتل {فكف أيديهم عنكم} فمنعها أن تمد إليكم {واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون} فإنه الكافي والدافع والمانع.
- {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا} هو الذي ينقب عن أحوال القوم ويثفتش عنها. ولما استقر بنو إسرائيل بمصر بعد هلاك فرعون، أمرهم الله بالمسير إلى أريحاء أرض الشام([1])، وكان يسكنها الكنعانيون الجبابرة، وقال لهم: إني كتبتها لكم دارا وقرارا، فاخرجوا إليها وجاهدوا من فيها، وإني ناصركم، وأمر الله موسى عليه السلام أن يأخذ من كل سبط نقيبا يكون كفيلا على قومه بالوفاء بما أمروا به توثقة عليهم، فاختار النقباء، وأخذ الميثاق على بني إسرائيل، وتكفل لهم به النقباء وسار بهم، فلما دنا من أرض كنعان بعث النقباء يتجسسون([2]) فرأوا أجراما عظيمة([3]) وقوة وشوكة فهابوا ورجعوا فحدثوا قومهم، وقد نهاهم أن يحدثوهم فنكثوا الميثاق، إلا كالب بن يوفنا ويوشع بن نون، وكانا من النقباء {وقال الله إني معكم} ناركم معينكم {لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة} وكانتا فريضتين عليهم {وءامنتم برسلي} من غير تفريق بين أحد منهم {وعزرتموهم} وعظمتموهم أو نصرتموهم بأن تردوا عنهم أعداءهم {وأقرضتم الله قرضا حسنا}([4]) بلا من، وقيل: هو كل خير {لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم} بعد ذلك الشرط المؤكد المتعلق بالوعد العظيم {فقد ضل سواء السبيل} أخطأ طريق الحق، نعم من كفر قبل ذلك فقد ضل سواء السبيل أيضا ولكن الضلال بعده أظهر وأعظم.
- {فبما نقضهم} [فبنقضهم] {ميثاقهم لعناهم} طردناهم وأخرجناهم من رحمتنا، أو مسخناهم، أو ضربنا عليهم الجزية {وجعلنا قلوبهم قاسية} يابسة لا رحمة فيها ولا لين. {يحرفون الكلم عن مواضعه} يفسرونه على غير ما أنزل، وهو بيان لقسوة قلوبهم، لأنه لا قسوة أشد من الافتراء على الله وتغيير وحيه {ونسوا حظا} وتركوا نصيبا جزيلا وقسطا وافيا {مما ذكروا به} من التوراة {ولا تزال} يا محمد {تطلع على خائنة منهم} أي هذه عادتهم وكان عليها أسلافهم، كانوا يخونون الرسل، وهؤلاء يخونونك ويهمون بالفتك بك، وقوله: {على خائنة} أي على خيانة {إلا قليلا منهم} وهم الذين ءامنوا منهم {فاعف عنهم} بعث على مخالفتهم، أو فاعف عن مؤمنيهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم {واصفح إن الله يحب المحسنين}.
- {ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم} وهو الإيمان بالله والرسل، وإنما لم يقل: من النصارى لأنهم إنما سموا أنفسهم بذلك ادعاء لنصر الله، وهم الذين قالوا لعيسى: {نحن أنصار الله} [ءال عمران: 52]، ثم اختلفوا بعد أنصارا للشيطان {فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا} فألصقنا وألزمنا {بينهم} بين فرق النصارى المختلفين {العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} بالأهواء المختلفة {وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون} أي في القيامة بالجزاء والعقاب.
- {يا أهل الكتاب} خطاب لليهود والنصارى {قد جاءكم رسولنا} محمد عليه الصلاة والسلام {يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب} من نحو صفة رسول الله ﷺ ومن نحو الرجم {ويعفو عن كثير} مما تخفونه لا يبينه {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين} يريد القرءان لكشفه ظلمات الشرك والشك، ولإبانته ما كان خافيا على الناس من الحق، أو لأنه ظاهر الإعجاز.
- {يهدي به الله} أي بالقرءان {من اتبع رضوانه} من ءامن منهم {سبل السلام} طرق السلامة والنجاة من عذاب الله {ويخرجهم من الظلمات إلى النور} من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام {بإذنه} بإرادته وتوفيقه {ويهديهم إلى صراط مستقيم}.
- {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} كان في النصارى قوم يقولون ذلك، أو لأن مذهبهم يؤدي إليه حيث إنهم اعتقدوا أنه يخلق ويحيي ويميت {قل فمن يملك من الله شيئا} فمن يمنع من قدرته ومشيئته شيئا {إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا} إن أراد أن يهلك من دعوه إلٰها من المسيح وأمه، يعني أن المسيح عبد مخلوق كسائر العباد، والمعنى أن من اشتمل عليه رحم الأمومية متى يفارقه نقص البشرية؟ ومن لاحت عليه شواهد الحدثية أنى يليق به نعت الربوبية؟ {ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء} أي يخلق من ذكر وأنثى، ويخلق من أنثى بلا ذكر كما خلق عيسى، ويخلق من ذكر من غير أنثى كما خلق حواء من ءادم، ويخلق من غير ذكر وأنثى كما خلق ءادم، أو يخلق كما يشاء كخلق الطير على يد عيسى معجزة له([5])، فلا اعتراض عليه لأنه الفعال لما يريد {والله على كل شيء قدير}.
- {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه} أي أعزة عليه كالابن على الأب {قل فلم يعذبكم بذنوبكم} فإن صح أنكم أبناء الله وأحباؤه، فلم تعذبون بذنوبكم بالمسخ والنار أياما معدودة على زعمكم([6])؟! وهل يمسخ الأب ولده، وهل يعذب الوالد ولده بالنار؟ ثم قال ردا عليهم: {بل أنتم بشر ممن خلق} أنتم خلق من خلقه {يغفر لمن يشاء} لمن تاب عن الكفر فضلا {ويعذب من يشاء} من مات عليه عدلا {ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير} فيه تنبيه على عبودية المسيح، لأن الـملك والبنوة متنافيان.
- {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا} محمد عليه الصلاة والسلام {يبين لكم} الشرائع {على فترة من الرسل} على حين فتور من إرسال الرسل وانقطاع من الوحي، وكان بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ستمائة سنة أو خمسمائة سنة وستون سنة {أن تقولوا} [لئلا] تقولوا {ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم} أي لا تعتذروا فقد جاءكم {بشير} للمؤمنين {ونذير} للكافرين {والله على كل شيء قدير} فكان قادرا على إرسال محمد عليه الصلاة والسلام ضرورة.
{وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء} لأنه لم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء {وجعلكم ملوكا} لأنه ملكهم بعد فرعون ملكه، وبعد الجبابرة ملكهم، ولأن الملوك تكاثروا فيهم تكاثر الأنبياء {وءاتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} من فلق البحر وإغراق العدو وإنزال الـمن والسلوى وتظليل الغمام ونحو ذلك من الأمور العظام.
([1]) أريحا أرض الشام: مدينة الجبارين في الغور من أرض الأردن بالشام.
([5]) معناه أن الله تعالى أظهر ذلك على يد عيسى، فعيسى يصور من الطين كهيئة الطير، ثم يخلق الله تعالى فيه الروح، ثم كان الطير يطير إلى مسافة حتى يغيب عن أنظار الناس ثم يقع ميتا، فعيسى وتصويره والمصور والروح حركة الطير كل ذلك مخلوق لله تعالى.
([6]) اليهود كانوا يقولون للمسلمين: نحن في الآخرة نعذب في النار أياما معدودة، ثم أنتم تبقون فيها. فالآية رد عليهم.
- تفسير سورة المائدة من الآية أحد عشر إلى عشرين
