تفسير سورة المؤمنون من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
- تفسير سورة المؤمنون من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون (71) أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين (72) وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم (73) وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون (74) ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون (75) ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون (76) حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون (77) وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (78) وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (79) وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون (80) - {ولو اتبع الحق} أي الله {أهواءهم} فيما يعتقدون من الآلهة {لفسدت السماوات والأرض} كما قال تعالى: {لو كان فيهما ءالهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22] {ومن فيهن} خص العقلاء بالذكر لأن غيرهم تبع {بل أتيناهم بذكرهم} بالكتاب الذي هو ذكرهم، أي وعظهم، أو شرفهم، لأن الرسول منهم والقرءان بلغتهم {فهم عن ذكرهم معرضون} بسوء اختيارهم.
- {أم تسألهم خرجا} وهو ما تخرجه إلى الإمام من زكاة أرضك، وإلى كل عامل من أجرته وجعله {فخراج ربك خير} والخرج أخص من الخراج، تقول: خراج القرية وخرج الكردة([1])، يعني أم تسألهم على هدياتك لهم قليلا من عطاء الخلق؟! فالكثير من الخالق خير {وهو خير الرازقين} أفضل الـمعطين.
- {وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم} وهو دين الإسلام، فحقيق أن يستجيبوا لك.
- {وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون} لعادلون عن هذا الصراط المذكور، وهو الصراط المستقيم.
- {ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر} لما أخذهم الله بالسنين حتى أكلوا العلهز([2])، جاء أبو سفيان إلى رسول الله ﷺ فقال له: أنشدك الله والرحم، ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ فقال: «بلى»، فقال: قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فنزلت الآية، والمعنى: لو كشف الله عنهم هذا الضر وهو القحط الذي أصابهم برحمته لهم ووجدوا الخصب {للجوا} لتمادوا {في طغيانهم يعمهون} يترددون، يعني لعادوا إلى ما كانوا عليه من الاستكبار وعداوة رسول الله ﷺ والمؤمنين ولذهب عنهم هذا التملق([3]) بين يديه.
- {ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون} استشهد على ذلك بأنا أخذناهم أولا بالسيوف، وبما جرى عليهم يوم بدر من قتل صناديدهم وأسرهم، فما وجدت بعد ذلك منهم استكانة، أي خضوع ولا تضرع.
- {حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد} أي باب الجوع الذي هو أشد من الأسر والقتل {إذا هم فيه مبلسون} متحيرون ءايسون من كل خير، وجاء أعتاهم وأشدهم شكيمة([4]) في العناد ليستعطفك.
- {وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة} خصها بالذكر لأنها يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية ما لا يتعلق بغيرها {قليلا ما تشكرون} المعنى أنكم لم تعرفوا عظم هذه النعم وضيعتموها عن مواضعها، فلم تعملوا أبصاركم وأسماعكم في ءايات الله وأفعاله، ولم تستدلوا بقلوبكم، فتعرفوا الـمنعم ولم تشكروا له شيئا، [أي لا تشكرون له أصلا، تقول العرب: هذه أرض قلما تنبت، أي لا تنبت أصلا].
- {وهو الذي ذرأكم} خلقكم وبثكم([5]) بالتناسل {في الأرض وإليه تحشرون} تجمعون يوم القيامة بعد تفرقكم.
{وهو الذي يحيي ويميت} يحيي النسم بالإنشاء ويميتها بالإفناء {وله اختلاف الليل والنهار} مجيء أحدهما عقيب الآخر {أفلا تعقلون} فتعرفوا قدرتنا على البعث، أو فتستدلوا بالصنع على الصانع فتؤمنوا.
([2]) العلهز: طعام من الدم والوبر كان يتخذ في سني المجاعة.
([3]) التملق: المبالغة في التودد.
- تفسير سورة المؤمنون من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
