تفسير سورة الكهف من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
- تفسير سورة الكهف من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا (21) سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا (22) ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا (23) إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا (24) ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا (25) قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا (26) واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا (27) واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا (28) وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا (29) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا (30) - { وكذلك أعثرنا عليهم} كما أنمناهم وبعثناهم لما في ذلك من الحكمة أطلعنا عليهم {ليعلموا} أي الذين أطلعناهم على حالهم {أن وعد الله} وهو البعث {حق} كائن، لأن حالهم في نومهم وانتباههم بعدها كحال من يموت ثم يبعث {وأن الساعة لا ريب فيها} فإنهم يستدلون بأمرهم على صحة البعث {إذ يتنازعون} أعثرناهم عليهم حين يتنازع أهل ذلك الزمان {بينهم أمرهم} أمر دينهم ويختلفون في حقيقة البعث، فكان بعضهم يقول: تبعث الأرواح دون الأجساد، وبعضهم يقول: تبعث الأجساد مع الأرواح، ليرتفع الخلاف وليتبين أن الأجساد تبعث حية حساسة فيها أرواحها كما كانت قبل الموت {فقالوا} حين توفى الله أصحاب الكهف {ابنوا عليهم بنيانا} على باب كهفهم لئلا يتطرق إليهم الناس ضنا بتربتهم([1]) ومحافظة عليها كما حفظت تربة رسول الله ﷺ بالحظيرة([2]) {ربهم أعلم بهم} من كلام المتنازعين، كأنهم تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم ومدة لبثهم، فلما لم يهتدوا إلى حقيقة ذلك قالوا: ربهم أعلم بهم، أو ن كلام الله عز وجل ردا لقول الخائضين في حديثهم {قال الذين غلبوا على أمرهم} من المسلمين، وملكهم، وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم {لنتخذن عليهم} على باب الكهف {مسجدا} يصلي فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم.
روي أن أهل الإنجيل عظمت فيهم الخطايا وطغت ملوكهم حتى عبدوا الأصنام، وأكرهوا على عبادتها، وممن شدد في ذلك دقيانوس، فأراد فتية من أشراف قومه على الشرك وتوعدهم بالقتل فأبوا إلا الثبات على الإيمان والتصلب فيه، ثم هربوا إلى الكهف ومروا بكلب فتبعهم، فطردوه، فأنطقه الله تعالى، فقال: ما تريدون مني؟ إني أحب أحباء الله، فناموا وأنا أحرسكم، وقيل: مروا براع معه كلب فتبعهم على دينهم [وتبعهم الكلب] ودخلوا الكهف فضرب الله على ءاذانهم، وقبل أن يبعثهم الله ملك مدينتهم رجل صالح مؤمن، وقد اختلف أهل مملكته في البعث معترفين وجاحدين، فسأل ربه أن يبين لهم الحق، ولما دخل المدينة من بعثوه لابتياع الطعام وأخرج الورق وكان من ضرب دقيانوس اتهموه بأنه وجد كنزا فذهبوا به إلى الملك فقص عليه القصة، فانطلق الملك وأهل المدينة معه، وأبصروهم، وحمدوا الله على الآية الدالة على البعث، ثم قالت الفتية للملك: نستودعك الله ونعيذك به من شر الجن والإنس، ثم رجعوا إلى مضاجعهم، وتوفى الله أنفسهم، فألقى الملك عليهم ثيابه، وأمر فجعل لكل واحد تابوت من ذهب، فرءاهم في المنام كارهين للذهب، فجعلها من الساج، وبنى على باب الكهف مسجدا.
- {سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم} الضمير في سيقولون لمن خاض في قصتهم في زمن رسول الله ﷺ من المؤمنين. وأهل الكتاب سألوا رسول الله ﷺ عنهم فأخر الجواب إلى أن يوحى إليه فيهم، فنزلت إخبارا بما سيجري بينهم من اختلافهم في عددهم، وأن المصيب منهم من يقول: سبعة وثامنهم كلبهم.
{قل ربي أعلم بعدتهم} وقد أخبركم بها بقوله: {سبعة وثامنهم كلبهم}، {ما يعلمهم إلا قليل} من أهل الكتاب، أي سيقول أهل الكتاب فيهم كذا وكذا، ولا علم بذلك إلا في قليل منهم، وأكثرهم على ظن وتخمين {فلا تمار فيهم} فلا تجادل أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف {إلا مراء ظاهرا} إلا جدالا ظاهرا غير متعمق فيه، وهو أن تقص عليهم ما أوحى الله إليك فحسب {ولا تستفت فيهم منهم أحدا} ولا تسأل أحدا منهم عن قصتهم لأن الله تعالى قد أرشدك بأن أوحى إليك قصتهم.
- {ولا تقولن لشيء} لأجل شيء تعزم عليه {إني فاعل ذلك} الشيء {غدا} أي فيما يستقبل من الزمان ولم يرد الغد خاصة.
- {إلا أن يشاء الله} إلا ملتبسا بمشيئة الله قائلا: إن شاء الله {واذكر ربك إذا نسيت} وقل: إن شاء الله إذا فرط منك نسيان لذلك.
{وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا} [عسى أن ييسر الله لي من الأدلة على نبوتي ما هو أعظم وأقرب من دليل أصحاب الكهف، وقد فعل حيث ءاتاه من قصص الأنبياء والإخبار بالغيوب ما هو أعظم من ذلك وأدل].
- {ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين} يريد لبثهم فيه أحياء مضروبا على ءاذانهم هذه المدة، وهو بيان لما أجمل في قوله: {فضربنا على ءاذانهم في الكهف سنين عددا} [الكهف: 11] {وازدادوا تسعا} تسع سنين لدلالة ما قبله عليه.
- {قل الله أعلم بما لبثوا} هو أعلم من الذين اختلفوا فيهم بمدة لبثهم، والحق ما أخبرك به {له غيب السماوات والأرض} ذكر اختصاصه بعلم ما غاب في السماوات والأرض وخفي فيها من أحوال أهلها ومن غيرها {أبصر به وأسمع} ما أبصره بكل موجود وما أسمعه لكل مسموع [أي: لا يغيب عن بصره تعالى وسمعه شيء] {ما لهم} لأهل السماوات والأرض {من دونه من ولي} من متول لأمورهم {ولا يشرك في حكمه} في قضائه {أحدا} منهم.
كانوا يقولون: ائت بقرءان غير هذا أو بدله، فقيل له:
- {واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك} من القرءان، ولا تسمع لما يهذون به من طلب التبديل فإنه {لا مبدل لكلماته} لا يقدر أحد على تبديلها أو تغييرها {ولن تجد من دونه ملتحدا} ملتجأ تعدل إليه إن هممت بذلك.
ولما قال قوم من رؤساء الكفرة لرسول الله ﷺ: نح هؤلاء الموالي، وهم: صهيب وعمار وخباب وسلمان وغيرهم من فقراء المسلمين حتى نجالسك، نزل:
- {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم} واحبسها معهم وثبتها {بالغداة والعشي} دائبين على الدعاء في كل وقت {يريدون وجهه} رضا الله [بفعلهم هذا] {ولا تعد عيناك عنهم} ولا تجاوز [عيناك عنهم إلى أولئك} {تريد زينة الحياة الدنيا} [تريد أولئك الرؤساء الذين يطلبون منك مجلسا على حدة يريدون بذلك الحياة الدنيا ولا يريدون وجه الله، أو لو فعلت ما سألوك كان فعل ذلك كفعل من يريد زينة الحياة الدنيا، ولم يرد النبي ﷺ أن يفعل ذلك، ولكن هذا النهي كقوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك} [الزمر: 65] وإن كان الله أعاذه من ذلك] {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا} من جعلنا قلبه غافلا عن الذكر، وهو دليل لنا على أنه تعالى خالق أفعال العباد {واتبع هواه وكان أمره فرطا} مجاوزا عن الحق.
- {وقل الحق من ربكم} أي الإسلام أو القرءان {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} أي جاء الحق وزاحت العلل فلم يبق إلا اختياركم لأنفسكم ما شئتم من الأخذ في طريق النجاة أو في طريق الهلاك [على علم بأن من كفر فجزاؤه ما ذكرناه في هذه الآية، ومن ءامن فجزاؤه ما ذكرناه في الآية التي بعدها، وهذا صيغته صيغة الأمر وفي الحقيقة هو أشد تهديدا وأبلغ زجرا].
ثم ذكر جزاء من اختار الكفر فقال: {إنا أعتدنا} هيأنا {للظالمين} للكافرين {نارا أحاط بهم سرادقها} [سورها]، أو هو حائط من نار يحيط بهم، [أي لا مخلص لهم منها ولا مخرج] {وإن يستغيثوا} من العطش {يغاثوا بماء كالمهل} هو دردي الزيت([3])، أو ما أذيب من جواهر الأرض، وفيه تهكم بهم {يشوي الوجوه} إذا قدم لشرب انشوى الوجه من حرارته {بئس الشراب} ذلك {وساءت} النار {مرتفقا} متكأ، من الـمرفق([4])، وهذا لمشاكلة قوله: {وحسنت مرتفقا} [الكهف: 31] وإلا فلا ارتفاق لأهل النار.
وجزاء من اختار الإيمان فقال: {إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا} [وفيه إضمار، أي لا نضيع أجر من أحسن منهم عملا، فأما من أحسن عملا من غير المؤمنين فعمله مخبط].
([1]) الضن في الأصل: البخل، والمراد به هنا المحافظة عليها.
([2]) الحظيرة: ما أحاط بالشيء، والمراد الجدار الذي بني حول تربة النبي عليه الصلاة والسلام.
- تفسير سورة الكهف من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
