تفسير سورة الكهف من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
- تفسير سورة الكهف من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا (31) واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا (32) كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا (33) وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا (34) ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا (35) وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا (36) قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا (37) لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا (38) ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا (39) فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا (40) - {أولئك لهم جنات عدن} بيان للأجر الـمبهم {تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب} وتنكير أساور – جمع أسورة جمع سوار – لإبهام أمرها في الحسن {ويلبسون ثيابا خضرا من سندس} ما رق من الديباج {وإستبرق} ما غلظ منه، أي يجمعون بين النوعين {متكئين فيها على الأرائك} خص الاتكاء لأنه هيئة المتنعمين والملوك على أسرتهم {نعم الثواب} الجنة {وحسنت} الجنة والأرائك {مرتفقا} متكأ.
- {واضرب لهم مثلا رجلين} ومثل حال الكافرين والمؤمنين بحال رجلين، وكانا أخوين في بني إسرائيل، أحدهما كافر اسمه قطروس والآخر مؤمن اسمه يهوذا، ورثا من أبيهما ثمانية ءالاف دينار فجعلاها شطرين، فاشترى الكافر أرضا بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم إن أخي اشترى أرضا بألف دينار، وأنا أشتري منك أرضا في الجنة بألف، فتصدق به، ثم بنى أخوه دارا بألف، فقال: اللهم إني أشتري منك دارا في الجنة بألف، فتصدق به، ثم تزوج أخوه امرأة بألف، فقال: اللهم إني جعلت ألفا صداقا للحور، ثم اشترى أخوه خدما ومتاعا بألف دينار، فقال: اللهم إني اشتريت منك الولدان الـمخلدين بألف، فتصدق به، ثم أصابته حاجة، فجلس لأخيه على طريقه فمر به في حشمه([1])، فتعرض له، فطرده ووبحه على التصدق بماله {جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب} [بستانين] من كروم {وحففناهما بنخل} وجعلنا النخل محيطا بالجنتين {وجعلنا بينهما زرعا} جعلناها أرضا جامعة للأقوات والفواكه.
- {كلتا الجنتين ءاتت} أعطت {أكلها} ثمرها {ولم تظلم منه شيئا} ولم تنقص من أكلها شيئا {وفجرنا} [شققنا وأجرينا] {خلالهما نهرا} نعتهما بوفاء الثمار وتمام الأكل من غير نقص، ثم بما هو أصل الخير ومادته من أمر الشرب، فجعله أفضل ما يسقى به وهو النهر الجاري فيها.
- {وكان له} لصاحب الجنتين {ثمر} أنواع من المال، من ثمر ماله: إذا كثر، أي: كانت له إلى الجنتين الموصوفتين الأموال الكثيرة من الذهب والفضة وغيرهما {فقال لصاحبه وهو يحاوره} يراجعه الكلام يعني قطروس أخذ بيد المسلم يطوف به في الجنتين ويريه ما فيهما ويفاخره بما ملك من المال دون {أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا} أنصارا وحشما، أو أولادا.
- {ودخل جنته} إحدى جنتيه {وهو ظالم لنفسه} ضار لها بالكفر {قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا} أي أن تهلك هذه الجنة، شك في بيدودة جنتيه لطول أمله وتمادي غفلته واغتراره بالمهلة.
- {وما أظن الساعة قائمة} كائنة {ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا} إقسام منه على أنه إن رد إلى ربه – على سبيل الفرض كما يزعم صاحبه – ليجدن في الآخرة خيرا من جنته في الدنيا، ادعاء لكرامته عليه ومكانته عنده.
- {قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب} أي خلق أصلك، لأن خلق أصله سبب في خلقه فكان خلقه خلقا له {ثم من نطفة} خلقك من نطفة {ثم سواك رجلا} عدلك وكملك إنسانا ذكرا بالغا مبلغ الرجال، جعله كافرا بالله لشكه في البعث.
- {لكنا} أصله: لكن أنا، [وتقديره لكني أنا أقول: الذي خلقني من تراب ثم من نطفة ثم سواني رجلا] {هو الله ربي} [يقلبني كيف يشاء، إن شاء أغناني وإن شاء أفقرني]، {ولا أشرك بربي أحدا} [دل على التوحيد الصرف والإخلاص التام، وفيه تعريض بإشراك صاحبه وأنه مخالفه في ذلك].
- {ولولا} وهلا {إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله} أي شيء شاء الله كان، والمعنى: هلا قلت عند دخولها والنظر إلى ما رزقك الله: ما شاء الله اعترافا بأنها وكل ما فيها إنما حصل بمشيئة الله، وأن أمرها بيده إن شاء تركها عامرة وإن شاء خربا، وقلت: {لا قوة إلا بالله} إقرارا بأن ما قويت به على عمارتها وتدبير أمرها هو بمعونته وتأييده {إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا} [ثم أردف تلك النصيحة بترجية من الله وتوقعه أن يقلب ما به وما بصاحبه من الفقر والغنى فقال]:
{فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك} في الدنيا أو في العقبى {ويرسل عليها} [على جنتك] {حسبانا} عذابا {من السماء فتصبح صعيدا زلقا} أرضا بيضاء يزلق عليها لملاستها.
([1]) حشم الرجل: خاصته الذين يغضبون له إذا أصابه أمر من عبيد أو أهل أو جيرة.
- تفسير سورة الكهف من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
