تفسير سورة الكهف من الآية واحد وتسعين إلى مئة
- تفسير سورة الكهف من الآية واحد وتسعين إلى مئة
كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا (91) ثم أتبع سببا (92) حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا (93) قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا (94) قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما (95) آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا (96) فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا (97) قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا (98) وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا (99) وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا (100) - {كذلك} أمر ذي القرنين كذلك، أي كما وصفناه تعظيما لأمره {وقد أحطنا بما لديه} من الجنود والآلات وأسباب الـملك {خبرا} [علما، وكذلك كانت حاله مع أهل المشرق كما كانت مع أهل المغرب] يعني أنهم كفرة مثلهم وحكمهم مثل حكمهم في تعذيبه لمن بقي منهم على الكفر، وإحسانه إلى من ءامن منهم.
- 93- {ثم أتبع سببا (92) حتى إذا بلغ بين السدين (93)} بين الجبلين وهما جبلان سد ذو القرنين ما بينهما، وهذا المكان في منقطع أرض الترك مما يلي المشرق {وجد من دونهما} من ورائهما {قوما} هم الترك {لا يكادون يفقهون قولا} لا يكادون يفهمونه إلا بجهد ومشقة من إشارة ونحوها، لأن لغتهم غريبة مجهولة.
- {قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج} وهما من ولد يافث {مفسدون في الأرض} قيل: كانوا يأكلون الناس، وقيل: كانوا يخرجون أيام الربيع فلا يتركون شيئا أخضر إلا أكلوه، ولا يابسا إلا احتملوه، ولا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلهم قد حمل السلاح {فهل نجعل لك خرجا} جعلا نخرجه من أموالنا {على أن تجعل بيننا وبينهم سدا}.
- {قال ما مكني فيه ربي خير} ما جعلني فيه مكينا من كثرة المال واليسار خير مما تبذلون من الخراج فلا حاجة بي إليه {فأعينوني بقوة} بفعلة([1]) وصناع يحسنون البناء والعمل، وبالآلات {أجعل بينكم وبينهم ردما} جدارا أو حاجزا حصينا موثقا، والردم أكبر من السد.
- {ءاتوني زبر الحديد} قطع الحديد، والزبرة: القطعة الكبيرة، قيل: حفر الأساس حتى بلغ الماء، وجعل الأساس من الصخر والنحاس الـمذاب، والبنيان من زبر الحديد بينها الحطب والفحم حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما، ثم وضع المنافيخ حتى إذا صارت كالنار صب النحاس الـمذاب على الحديد الـمحمى، فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلا صلدا {حتى إذا ساوى بين الصدفين} جانبي الجبلين لأنهما يتصادفان أي يتقابلان {قال انفخوا} قال ذو القرنين للعملة: انفخوا في الحديد {حتى إذا جعله} أي المنفوخ فيه وهو الحديد {نارا} كالنار {قال ءاتوني} أعطوني {أفرغ} أصب {عليه قطرا} نحاسا مذابا لأنه يقطر.
- {فما اسطاعوا أن يظهروه} أن يعلوا السد {وما استطاعوا له نقبا} أي: لا حيلة لهم فيه من صعود لارتفاعه ولا نقب لصلابته.
- {قال هذا رحمة من ربي} هذا السد نعمة من الله ورحمة على عباده، أو هذا الإقدار والتمكين من تسويته {فإذا جاء وعد ربي} فإذا دنا مجيء يوم القيامة وشارف أن يأتي {جعله} أي السد {دكاء} مدكوكا مبسوطا مسوى بالأرض {وكان وعد ربي حقا} ءاخر قول ذي القرنين.
- {وتركنا} وجعلنا {بعضهم} بعض الخلق {يومئذ يموج} يختلط {في بعض} أي يضطربون ويختلطون إنسهم وجنهم حيارى، ويجوز أن يكون الضمير ليأجوج ومأجوج وأنهم يموجون حين يخرجون مما وراء السد مزدحمين في البلاد، وروي أنهم يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه، ثم يأكلون الشجر ومن ظفروا به من الناس، ولا يقدرون أن أتوا مكة والمدينة وبيت المقدس، ثم يبعث الله نغفا([2]) في أقفائهم([3]) فيدخل في ءاذانهم فيموتون {ونفخ في الصور} لقيام الساعة {فجمعناهم} أي جميع الخلائق للثواب والعقاب {جمعا} تأكيد.
{وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا} وأظهرناها لهم فرأوها وشاهدوها.
- تفسير سورة الكهف من الآية واحد وتسعين إلى مئة
