تفسير سورة القصص من الآية واحد وخمسين إلى ستين
- تفسير سورة القصص من الآية واحد وخمسين إلى ستين
ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون (51) الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون (52) وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين (53) أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون (54) وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين (55) إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين (56) وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون (57) وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين (58) وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون (59) وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون (60) - {ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون} يعني أن القرءان أتاهم متتابعا متواصلا، وعدا ووعيدا وقصصا وعبرا ومواعظ ليتذكروا فيفلحوا.
- {الذين آتيناهم الكتاب من قبله} من قبل القرءان {هم به} بالقرءان {يؤمنون} نزلت في مؤمني أهل الكتاب.
- {وإذا يتلى} القرءان {عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله} من قبل نزول القرءان {مسلمين} كائنين على دين الإسلام مؤمنين بمحمد عليه الصلاة والسلام.
- {أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا} بصبرهم على الإيمان بالتوراة والإيمان بالقرءان، أو بصبرهم على أذى المشركين وأهل الكتاب {ويدرؤون بالحسنة السيئة} يدفعون بالطاعة المعصية {ومما رزقناهم ينفقون} يزكون.
- {وإذا سمعوا اللغو} الباطل، أو الشتم من المشركين {أعرضوا عنه وقالوا} للاغين {لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم} أمان منا لكم بأن نقابل لغوكم بمثله {لا نبتغي الجاهلين} لا نريد مخالطتهم وصحبتهم.
- {إنك لا تهدي من أحببت} لا تقدر أن تدخل في الإسلام كل من أحببت أن يدخل فيه من قومك وغيرهم {ولكن الله يهدي من يشاء} يخلق فعل الاهتداء فيمن يشاء [الله هدايته] {وهو أعلم بالمهتدين} بمن يختار الهداية ويقبلها ويتعظ بالدلائل والآيات [وقدر له أن يهتدي]، أجمع المفسرون على أنها نزلت في أبي طالب وغن كانت الصيغة عامة.
- {وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما ءامنا} قالت قريش: نحن نعلم أنك على الحق، ولكنا نخاف إن اتبعناك وخالفنا العرب بذلك أن يتخطفونا من أرضنا، فالقمهم الله الحجر بأنه مكن لهم في الحرم الذي أمنه بحرمة البيت وأمن قطانه بحرمته، والثمرات تجبى إليه من كل أوب وهم كفرة، فأنى يستقيم أن يعرضهم للتخطف ويسلبهم الأمن إذا ضموا إلى حرمة البيت حرمة الإسلام؟ {يجبى إليه} يجلب ويجمع {ثمرات كل شيء} معنى الكلية الكثرة {رزقا من لدنا} [عطية وتفضلا منا] {ولكن أكثرهم لا يعلمون} قليل منهم يقرون بأن ذلك رزق من عند الله، وأكثرهم جهلة لا يعلمون ذلك، ولو علموا أنه من عند الله لعلموا أن الخوف والأمن من عنده، ولما خافوا التخطف إذا ءامنوا به.
- {وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها} هذا تخويف لأهل مكة من سوء عاقبة قوم كانوا في مثل حالهم بإنعام الله عليهم فلم يشكروا النعمة، وقابلوها بالبطر [فأغفلوا شكرها ولم يحفظوا حق الله فيها] فأهلكوا {فتلك مساكنهم} منازلهم باقية الآثار يشاهدونها في الأسفار كبلاد ثمود وقوم شعيب وغيرهم {لم تسكن من بعدهم إلا قليلا} أي لم يسكنها إلا المسافر ومار الطريق يوما أو ساعة {وكنا نحن الوارثين} لتلك المساكن من ساكنيها، أي لا يملك التصرف فيها غيرنا.
- {وما كان ربك مهلك القرى} ما كان في حكم الله وقضائه أن يهلك القرى في الأرض {حتى يبعث في أمها} في أم القرى، يعني مكة {رسولا} يعني محمدا لإلزام الحجة وقطع المعذرة {يتلو عليهم ءاياتنا} أي القرءان {وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} وما أهلكناهم للانتقام إلا وأهلها مستحقون العذاب بظلمهم، وهو إصرارهم على كفرهم، وعنادهم ومكابرتهم بعد الإعذار إليهم.
{وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها} وأي شيء أصبتموه من أسباب الدنيا فما هو إلا تمتع وزينة أياما قلائل، وهي مدة الحياة الفانية {وما عند الله} وهو ثوابه {خير} في نفسه من ذلك {وأبقى} لأنه دائم {أفلا تعقلون} أن الباقي خير من الفاني.
