تفسير سورة القصص من الآية أحد عشر إلى عشرين
- تفسير سورة القصص من الآية أحد عشر إلى عشرين
وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون (11) وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون (12) فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون (13) ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين (14) ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين (15) قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم (16) قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين (17) فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين (18) فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين (19) وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين (20) - {وقالت لأخته} مريم {قصيه} اتبعي أثره لتعلمي خبره {فبصرت به} أبصرته {عن جنب} عن بعد {وهم لا يشعرون} أنها أخته.
- {وحرمنا عليه المراضع} تحريم منع لا تحريم شرع، أي منعناه أن يرضع ثديا غير ثدي أمه، وكان لا يقبل ثدي مرضع حتى أهمهم ذلك {من قبل} من قبل قصها أثره {فقالت} أخته – وقد دخلت بين المراضع ورأته لا يقبل ثديا -: {هل أدلكم} أرشدكم {على أهل بيت يكفلونه لكم} [يضمونه إلى أنفسهم للتربية والإرضاع] {وهم له ناصحون} النصح إخلاص العمل من شائبة الفساد. روي أنها انطلقت إلى أمها بأمرهم، فجاءت بها والصبي على يد فرعون يعلله شفقة عليه([1])، وهو يبكي يطلب الرضاع، فحين وجد ريحها استأنس والتقم ثديها، فقال لها فرعون: ومن أنت منه فقد أبى كل ثدي إلا ثديك؟ فقالت: إني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن لا أوتى بصبيب إلا قبلني، فدفعه إليها، وأجرى عليها([2])، وذهبت به إلى بيتها، وأنجز الله وعده في الرد، فعندها ثبت واستقر في علمها أنه سيكون نبيا، وذلك قوله:
- {فرددناه إلى أمه كي تقر عينها} بالـمقام معه {ولا تحزن} بفراقه {ولتعلم أن وعد الله حق} وليثبت علمها مشاهدة كما علمت خبرا أن وعد الله حق {ولكن أكثرهم لا يعلمون} أنه حق فيرتابون.
- {ولما بلغ أشده} نهاية القوة وتمام العقل {واستوى} اعتدل وتم استحكامه وهو أربعون سنة {آتيناه حكما} نبوة {وعلما} فقها، أو علما بمصالح الدارين {وكذلك نجزي المحسنين} كما فعلنا بموسى وأمه نفعل بالمؤمنين.
- {ودخل المدينة} مصر {على حين غفلة من أهلها} مختفيا، بين العشاءين، أو وقت القائلة يعني انتصاف النهار، وقيل: لما شب وعقل أخذ يتكلم بالحق وينكر عليهم، فأخافوه، فلا يدخل المدينة إلى على تغفل {فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته} ممن شايعه على دينه من بني إسرائيل {وهذا من عدوه} من مخالفيه من القبط {فاستغاثه} فاستنصره {الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى} ضربه بجمع كفه([3]) {فقضى عليه} فقتله {قال هذا} إشارة إلى القتل الحاصل بغير قصد {من عمل الشيطان} وإنما جعل قتل الكافر من عمل الشيطان وسماه ظلما لنفسه واستغفر منه لأنه قتله قبل أن يؤذن له {إنه عدو مضل مبين} ظاهر العداوة.
- {قال رب} يا رب {إني ظلمت نفسي} بفعل صار قتلا {فاغفر لي} زلتي {فغفر له} زلته {إنه هو الغفور} بإقالة الزلل {الرحيم} بإزالة الخجل.
- {قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا} معينا {للمجرمين} للكافرين، كأنه قال: رب اعصمني بحق ما أنعمت به علي من [القوة وكل النعم] فلن أكون إن عصمتني ظهيرا للمجرمين.
- {فأصبح في المدينة خائفا} على نفسه من قتله القبطي أن يؤخذ به {يترقب} الأخبار، أو ما يقال فيه {فإذا الذي استنصره} [استنصر موسى على القبطي] {بالأمس يستصرخه} يستغيثه، والمعنى أن الإسرائيلي الذي خلصه موسى استغاث به ثانيا من قبطي ءاخر {قال له موسى} للإسرائيلي {إنك لغوي مبين} ضال عن الرشد ظاهر الغين فقد قاتلت بالأمس رجلا فقتلته بسببك.
- {فلما أن أراد} موسى {أن يبطش بالذي} بالقبطي الذي {هو عدو لهما} لموسى والإسرائيلي، لأنه ليس على دينهما، ولأن القبط كانوا أعداء بني إسرائيل {قال} الإسرائيلي لموسى عليه السلام، وقد توهم أنه أراد أخذه لا أخذ القبطي إذ قال له: {إنك لغوي مبين} {يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا} يعني القبطي {بالأمس إن تريد} ما تريد {إلا أن تكون جبارا} قتالا بالغضب {في الأرض} أرض مصر {وما تريد أن تكون من المصلحين} في كظم الغيظ، وكان قتل القبطي بالأمس قد شاع، ولكن خفي قاتله، فلما أفشى [الإسرائيلي] على موسى عليه السلام علم القبطي أن [قاتل القبطي بالأمس] موسى فأخبر فرعون، فهموا بقتله.
{وجاء رجل من أقصى المدينة} هو مؤمن ءال فرعون، وكان ابن عم فرعون {يسعى} [يسرع] {قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك} يتشاورون بسببك يأمر بعضهم بعضا بقتلك {فاخرج} من المدينة {إني لك من الناصحين} [في الأمر بالخروج].
([1]) قال الجوهري: علله بالشيء: لهاه به، كما يعلل الصبي بشيء من الطعام يتجزأ به عن اللبن، أي: يستغني به عن اللبن.
