تفسير سورة الفرقان من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
- تفسير سورة الفرقان من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا (21) يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا (22) وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا (23) أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا (24) ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا (25) الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا (26) ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا (27) يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا (28) لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا (29) وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا (30) - {وقال الذين لا يرجون} لا يأملون {لقاءنا} بالخير لأنهم كفرة لا يؤمنون بالبعث {لولا} هلا {أنزل علينا الملائكة} رسلا دون البشر، أو شهودا على نبوته ودعوى رسالته {أو نرى ربنا} جهرة فيخبرنا برسالته واتباعه {لقد استكبروا في أنفسهم} أضمروا الاستكبار عن الحق، وهو الكفر والعناد في قلوبهم {وعتو} وتجاوزوا الحد في الظلم {عتوا كبيرا} أي لم يجسروا على هذا القول العظيم إلا لأنهم بلغوا غاية الاستكبار وأقصى العتو.
- {يوم يرون الملائكة} أي اذكر يوم يرون الملائكة، أي يوم الموت، أو يوم البعث ثم أخبر فقال: {لا بشرى} بالجنة {يومئذ للمجرمين} هم الذين اجترموا الذنوب، والمراد الكافرون {ويقولون} أي الملائكة {حجرا محجورا} حراما محرما عليكم البشرى، إنما البشرى للمؤمنين.
- {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} لا قدوم هنا، ولكن مثلت حال هؤلاء وأعمالهم التي عملوها في كفرهم من صلة رحم وإغاثة ملهوف وقرى ضيف ونحو ذلك بحال من خالف سلطانه وعصاه، فقدم إلى أشيائه وقصد إلى ما تحت يديه فأفسدها ومزقها كل ممزق ولم يترك لها أثرا، والهباء ما يخرج من الكوة مع ضوء الشمس شبيها بالغبار، والمنثور المفرق، وهو استعارة عن جعله بحيث لا يقبل الاجتماع، ولا يقع به الانتفاع.
ثم بين فضل أهل الجنة على أهل النار فقال:
- {أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا} المستقر المكان الذي يكونون فيه في أكثر أوقاتهم مستقرين يتجالسون ويتحادثون {وأحسن مقيلا} مكانا يأوون إليه للاسترواح إلى أزواجهم، ولا نوم في الجنة ولكنه سمى مكان استراحتهم إلى الحور مقيلا على طريق التشبيه.
- {ويوم} واذكر يوم {تشقق السماء بالغمام} لما كان انشقاق السماء بسبب طلوع الغمام منها جعل الغمام كأنه الذي تشق به السماء {ونزل الملائكة تنزيلا} المعنى أن السماء تنفتح بغمام أبيض يخرج منها، وفي الغمام الملائكة ينزلون وفي أيديهم صحائف أعمال العباد.
- {الملك يومئذ الحق للرحمن} لأن كل ملك يزول يومئذ فلا يبقى إلا ملكه الثابت {وكان} ذلك اليوم {يوما على الكافرين عسيرا} شديدا، ويفهم منه يسره على المؤمنين، ففي الحديث: «يهون يوم القيامة على المؤمنين حتى يكون عليهم أخف من صلاة مكتوبة صلوها في الدنيا».
- {ويوم يعض الظالم على يديه} عض اليدين كناية عن الغيظ والحسرة وأريد به عقبة [بن أبي معيط، من مقدمي قريش في الجاهلية وكان شديد الأذى للمسلمين]، أو يتناول عقبة وغيره من الكفار {يقول يا ليتني اتخذت} في الدنيا {مع الرسول} محمد عليه الصلاة والسلام {سبيلا} طريقا إلى النجاة والجنة، وهو الإيمان.
- {يا ويلتى} الرجل ينادي ويلته، وهي هلكته، يقول لها: تعالي فهذا أوانك {ليتني لم أتخذ فلانا خليلا} فلان كناية عن الأعلام، فإن أريد بالظالم عقبة – لما روي انه اتخذ ضيافة فدعا إليها رسول الله عليه الصلاة والسلام، فأبى أن يأكل من طعامه حتى ينطق بالشهادتين، ففعل، فقال له أبي بن خلف وهو خليله: وهي من وجهك حرام إلا أن ترجع، فارتد – فالمعنى: يا ليتني لم أتخذ أبيا خليلا فكني عن اسمه، وقيل هو كناية عن الشيطان.
- {لقد أضلني عن الذكر} عن ذكر الله، أو القرءان، أو الإيمان {بعد إذ جاءني} من الله [بإنزاله على رسوله وتبليغه إلينا] {وكان الشيطان} أي خليله، سماه شيطانا لأنه أضله كما يضله الشيطان {للإنسان} المطيع له {خذولا} أي من عادة الشيطان ترك من يواليه، وهذا حكاية كلام الله، أو كلام الظالم.
- {وقال الرسول} محمد عليه الصلاة والسلام في الدنيا {يا رب إن قومي} قريشا {اتخذوا هذا القرآن مهجورا} متروكا، أي تركوه ولم يؤمنوا به، في هذا تخويف لقومه، لأن الأنبياء إذا شكوا إليه قومهم حل بهم العذاب ولم ينظروا.
