تفسير سورة الشورى من الآية أحد عشر إلى عشرين
- تفسير سورة الشورى من الآية أحد عشر إلى عشرين
فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (11) له مقاليد السماوات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم (12) شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب (13) وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب (14) فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير (15) والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد (16) الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب (17) يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد (18) الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز (19) من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب (20) - {فاطر السماوات والأرض} [أي: ذلكم الله ربي خالق السماوات والأرض] {جعل لكم من أنفسكم} خلق لكم من جنسكم من الناس {أزواجا} [إناثا] {ومن الأنعام أزواجا} وخلق للأنعام أيضا من أنفسها أزواجا [إناثا، أو أنواعا كثيرة، ذكورا وإناثا] {يذرؤكم} يكثركم {فيه} في هذا التدبير، وهو أن جعل الناس والأنعام أزواجا حتى كان بين ذكروهم وإناثهم التوالد والتناسل، والضمير في {يذرؤكم} يرجع إلى المخاطبين والأنعام مغلبا فيه المخاطبون العقلاء على الغيب مما لا يعقل {ليس كمثله شيء} قيل إن كلمة التشبيه كررت لتأكيد نفي التماثل، وتقديره ليس مثله شيء، وقيل الـمثل [صلة]، وتقديره ليس كهو شيء، كقوله تعالى: {فإن ءامنوا بمثل ما ءامنتم به} [البقرة: 37]، أي فإن ءامنوا بما ءامنتم به، أو بالذي ءامنتم به وهذا لأن المراد نفي الـمثلية، وإذا لم تجعل الكاف أو الـمثل زيادة كان إثبات الـمثل([1])، وقيل: المراد ليس كذاته شيء، لأنهم يقولون: مثلك لا يبخل، يريدون به نفي البخل عن ذاته، ويقصدون المبالغة في ذلك بسلوك طريق الكناية لأنهم إذا نفوه عمن يسد مسده فقد نفوه عنه، فإذا علم أنه من باب الكناية لم يقع فرق بين قوله: ليس كالله شيء وبين قوله: ليس كمثله شيء إلا ما تعطيه الكناية من فائدتها، وكأنهما عبارتان معتقبتان على معنى واحد، وهو نفي المماثلة عن ذاته، ونحوه: {بل يداه مبسوطتان} [المائدة: 64] فمعناه بل هو جواد من غير تصور يد ولا بسط لها، لأنها وقعت عبارة عن الجود، حتى إنهم استعملوها فيمن لا يد له، فكذلك استعمل هذا فيمن له مثل ومن لا مثل له {وهو السميع} لجميع المسموعات بلا أذن {البصير} بجميع الـمرئيات بلا حدقة، وكأنه ذكرهما لئلا يتوهم أنه لا صفة له كما لا مثل له.
- {له مقاليد السماوات والأرض} [هو مالك أمرها وحافظها، بيده([2]) مفاتيح الأرزاق التي تنزل من السماء من المطر وغيره، وما يخرج من الأرض من النبات وغيره] {يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} يضيق [على من يشاء] {إنه بكل شيء عليم} [من المصالح والعواقب وغير ذلك].
- {شرع} بين وأظهر {لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى} شرع لكم من الدين دين نوح ومحمد ومن بينهما من الأنبياء عليهم السلام، ثم فسر المشروع {أن أقيموا الدين} والمراد إقامة دين الإسلام الذي هو توحيد الله وطاعته، والإيمان برسله وكتبه وبيوم الجزاء، وسائر ما يكون المرء بإقامته مسلما، ولم يرد به الشرائع فإنها مختلفة، قال الله تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48] {ولا تتفرقوا فيه} ولا تختلفوا في الدين {كبر على المشركين} عظم عليهم وشق عليهم {ما تدعوهم إليه} من إقامة دين الله والتوحيد {الله يجتبي} يجتلب ويجمع {إليه} إلى الدين بالتوفيق والتسديد والتثبيت {من يشاء ويهدي إليه من ينيب} [من] يقبل على طاعته.
- {وما تفرقوا} أي أهل الكتاب بعد أنبيائهم {إلا من بعد ما جاءهم العلم} إلا من بعد أن علموا أن الفرقة ضلال وأمر متوعد عليه على ألسنة الأنبياء عليهم السلام {بغيا بينهم} حسدا وطلبا للرئاسة والاستطالة([3]) بغير حق {ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى} وهي: {بل الساعة موعدهم} [القمر: 46] {لقضي بينهم} لأهلكوا حين افترقوا لعظم ما اقترفوا {وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم} هم أهل الكتاب الذين كانوا في عهد رسول الله ﷺ {لفي شك منه} من كتابهم لا يؤمنون به حق الإيمان {مريب} مدخل في الريبة.
- {فلذلك} فلأجل ذلك التفرق ولما حدث بسببه من تشعب الكفر شعبا {فادع} إلى الاتفاق والائتلاف على الـملة الحنيفية([4]) {واستقم} عليها وعلى الدعوة إليها {كما أمرت} كما أمرك الله {ولا تتبع أهواءهم} المختلفة الباطلة {وقل ءامنت بما أنزل الله من كتاب} أي كتاب صح أن الله تعالى أنزله، يعني الإيمان بجميع الكتب الـمنزلة، لأن المتفرقين ءامنوا ببعض وكفروا ببعض، كقوله: {ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض} [النساء: 150] إلى قوله: {أولئك هم الكافرون حقا} [النساء: 151] {وأمرت لأعدل بينكم} في الحكم إذا تخاصمتم فتحاكمتم إلي {الله ربنا وربكم} أي كلنا عبيده {لنا أعمالنا ولكم أعمالكم} إنا لا نؤاخذ بأعمالكم وأنتم لا تؤاخذون بأعمالنا {لا حجة بيننا وبينكم} أي لا خصومة، لأن الحق قد ظهر وصرتم محجوجين به، فلا حاجة إلى الـمحاجة {الله يجمع بيننا} يوم القيامة {وإليه المصير} الـمرجع لفضل القضاء فيفصل بيننا وينتقم لنا منكم.
- {والذين يحاجون في الله} يخاصمون في دينه {من بعد ما استجيب له} من بعد ما استجاب له الناس ودخلوا في الإسلام ليردوهم إلى دين الجاهلية، كان اليهود والنصارى يقولون للمؤمنين: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، فنحن خير منكم وأولى بالحق {حجتهم داحضة} باطلة، وسماها حجة وإن كانت شبهة لزعمهم أنها حجة {عند ربهم وعليهم غضب} بكفرهم {ولهم عذاب شديد} في الآخرة.
- {الله الذي أنزل الكتاب بالحق} بالصدق [من العقائد والأحكام] {والميزان} والعدل والسوية، ومعنى إنزال العدل أنه أنزله في كتبه الـمنزلة {وما يدريك لعل الساعة قريب} لعل الساعة قريب منك وأنت لا تدري؛ والمراد مجيء الساعة، ووجه مناسبة اقتراب الساعة مع إنزال الكتب والميزان أن الساعة يوم الحساب ووضع الموازين بالقسط، فكأنه قيل: أمركم الله بالعدل والسوية والعمل بالشرائع، فاعملوا بالكتاب والعدل قبل أن يفاجئكم يوم حسابكم ووزن أعمالكم.
- {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها} استهزاء [يقولون: {أيان مرساها} [الأعراف: 187]، ويقولون: {متى هذا الوعد} [يونس: 48] {والذين ءامنوا مشفقون منها} خائفون وجلون لهولها {ويعلمون أنها الحق} الكائن لا محالة {ألا إن الذين يمارون في الساعة} الـمماراة الـملاحة، لأن لك واحد منهما يمري([5]) ما عند صاحبه {لفي ضلال بعيد} عن الحق، لأن قيام الساعة غير مستبعد من قدرة الله تعالى، وقد دل الكتاب والسنة على وقوعها، والعقول تشهد [أن أمر الإعادة أيسر من أمر الابتداء].
- {الله لطيف بعباده} في إيصال المنافع، وصرف البلاء {يرزق من يشاء} يوسع رزق من يشاء، [ويقتر([6]) على من يشاء] {وهو القوي} الباهر القدرة، الغالب على كل شيء {العزيز} المنيع الذي لا يغلب.
{من كان يريد حرث الآخرة} سمي ما يعمله العامل مما يبتغي به الفائدة حرثا مجازا {نزد له في حرثه} [أي: من كان يريد بعمله الآخرة نزد له في حرثه] بالتوفيق في عمله، أو التضعيف في حسناته، أو بأن ينال به الدنيا والآخرة {ومن كان يريد حرث الدنيا} أي من كان عمله للدنيا ولم يؤمن بالآخرة {نؤته منها} أي شيئا منها، وهو رزقه الذي قسم له، لا ما يريده ويبتغيه {وما له في الآخرة من نصيب} وما له نصيب قط في الآخرة.
([1]) يعني أنه يصير المعنى «ليس مثل مثله شيء» فيلزم الـمحال وهو إثبات الـمثل لله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وفي تأول بعضهم التعبير «بنفي مثل المثل» على معنى أنه يستلزم نفي الـمثل ضرورة تكلف ظاهر.
قال الزجاج في «معاني القرءان»: ولا يجوز أن يقال: المعنى ليس مثل مثله شيء؛ لأن من قال هذا فقد أثبت الـمثل لله، تعالى الله عن ذلك».
وقال السمين في «الدر المصون»: «وقال أبو البقاء: ولو لم تكن زائدة لأفضى ذلك إلى المحال؛ إذا كان يكون المعنى أن له مثلا وليس لمثله مثل، وفي ذلك تناقض؛ لأنه إذا كان له مثل فلمثله مثل وهو هو، مع أن إثبات الـمثل لله تعالى محال. قلت: وهذه طريقة غريبة في تقرير الزيادة، وهي طريقة حسنة فيها حسن صناعة».
([3]) الاستطالة على الناس: أن يرى أن له عليهم فضلا في القدر.
([4]) الحنيفية: المائلة عن الباطل إلى الحق.
([5]) يقال: ماريته إذا طعنت في قوله تزييفا للقول وتصغيرا للقائل.
