تفسير سورة الرعد من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
- تفسير سورة الرعد من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد (31) ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب (32) أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد (33) لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق (34) مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار (35) والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب (36) وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق (37) ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب (38) يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب (39) وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب (40) - {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال} عن مقارها {أو قطعت به الأرض} حتى تتصدع وتتزايل قطعا {أو كلم به الموتى} فتسمع وتجيب لكان هذا القرءان لكونه غاية في التذكير ونهاية في الإنذار والتخويف {بل لله الأمر جميعا} بل لله القدرة على كل شيء، وهو قادر على الآيات التي اقترحوها {أفلم ييأس الذين ءامنوا} أفلم يعلم، وقيل: إنما استعمل اليأس بمعنى العلم لتضمنه معناه، لأن اليائس عن الشيء عالم بأنه لا يكون، كما استعمل النسيان في معنى الترك لتضمنه ذلك {أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا} من كفرهم وسوء أعمالهم {قارعة} داهية تقرعهم بما يحل الله بهم في كل وقت من صنوف البلايا والمصائب في نفوسهم وأولادهم وأموالهم {أو تحل قريبا من دارهم} أو تحل القارعة قريبا منهم فيفزعون ويتطاير عليهم شررها ويتعدى إليهم شرورها {حتى يأتي وعد الله} أي موتهم، أو القيامة، أو فتح مكة {إن الله لا يخلف الميعاد} أي لا خلف في موعده.
- {ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا} الإملاء: الإمهال وأن يترك ملاوة([1]) من الزمان في خفض([2]) وأمن {ثم أخذتهم فكيف كان عقاب} وهذا وعيد لهم وجواب عن اقتراحهم الآيات على رسول الله استهزاء به وتسلية له.
- {أفمن هو قائم} احتجاج عليهم في إشراكهم بالله، يعني أفالله الذي هو رقيب {على كل نفس} صالحة أو طالحة {بما كسبت} يعلم خيره وشره ويعد لكل جزاءه كمن ليس كذلك! ثم استأنف فقال: {وجعلوا لله شركاء} أي الأصنام {قل سموهم} أي سموهم له من هم ونبئوه بأسمائهم، ثم قال: {أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض} أي بل أتنبئونه بشركاء لا يعلمهم في الأرض وهو العالم بما في السماوات والأرض! والمراد نفي أن يكون له شركاء {أم بظاهر من القول} بل أتسمونهم شركاء بظاهر من القول من غير أن يكون لذلك حقيقة {بل زين للذين كفروا مكرهم} كيدهم للإسلام بشركهم {وصدوا عن السبيل} [صدهم الله تعالى عن سبيل الهدى] {ومن يضلل الله فما له من هاد} من أحد يقدر على هدايته.
- {لهم عذاب في الحياة الدنيا} بالقتل والأسر وأنواع الـمحن {ولعذاب الآخرة أشق} أشد لدوامه [وأغلظ وأبلغ] {وما لهم من الله من واق} من حافظ من عذابه.
- {مثل الجنة التي وعد المتقون} صفتها التي هي في غرابة الـمثل {تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم} ثمرها دائم الوجود لا ينقطع {وظلها} دائم لا ينسخ كما ينسخ في الدنيا بالشمس {تلك عقبى الذين اتقوا} الجنة الموصوفة عقبى تقواهم، يعني منتهى أمرهم {وعقبى الكافرين النار}.
- {والذين آتيناهم الكتاب} يريد من أسلم من اليهود كابن سلام ونحوه، ومن النصارى بأرض الحبشة {يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب} ومن أحزابهم وهم كفرتهم الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ بالعداوة ككعب بن الأشرف وأصحابه، والسيد والعاقب([3]) وأشياعهما([4]) {من ينكر بعضه} لأنهم كانوا لا ينكرون الأقاصيص وبعض الأحكام والمعاني مما هو ثابت في كتبهم، وكانوا ينكرون نبوة محمد عليه الصلاة والسلام وغير ذلك مما حرفوه وبدلوه من الشرائع {قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به} هو جواب للمنكرين، فإنكاركم له إنكار لعبادة الله وتوحيده، فانظروا ماذا تنكرون من ادعائكم وجوب عبادة الله وألا يشرك به {إليه أدعو} خصوصا لا أدعو إلى غيره {وإليه} لا إلى غيره {مآب} مرجعي، فلا معنى لإنكاركم.
- {وكذلك أنزلناه} ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مأمورا فيه بعبادة الله وتوحيده والدعوة إليه وإلى دينه والإنذار بدار الجزاء {حكما عربيا} حكمة عربية مترجمة بلسان العرب، كانوا يدعون رسول الله ﷺ إلى أمور يشاركهم فيها، فقيل: {ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم} بعد ثبوت العلم بالحجج القاطعة والبراهين الساطعة {ما لك من الله من ولي ولا واق} لا ينصرك ناصر ولا يقيك منه واق، وهذا من باب التهييج والبعث للسامعين على الثبات في الدين، وإلا فكان رسول الله من شدة الثبات بمكان.
وكانوا يعيبونه بالزواج والولاد ويقترحون عليه الآيات وينكرون النسخ، فنزل:
- {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية} نساء وأولادا {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله} ليس في وسعه إتيان الآيات على ما يقترحه قومه، وإنما ذلك إلى الله {لكل أجل كتاب} لكل وقت حكم يكتب على العباد، أي يفرض عليهم على ما تقتضيه حكمته.
- {يمحو الله ما يشاء} ينسخ ما يشاء نسخه {ويثبت} بدله ما يشاء [ويترك ما يشاء منه] غير منسوخ {وعنده أم الكتاب} أي أصل كل كتاب وهو اللوح المحفوظ، لأن كل كائن مكتوب فيه.
{وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك} وكيفما دارت الحال أريناك مصارعهم وما وعدناهم من إنزال العذاب عليهم، أو توفيناك قبل ذلك {فإنما عليك البلاغ} فما يجب عليك إلا تبليغ الرسالة فحسب {وعلينا الحساب} وعلينا حسابهم وجزاؤهم على أعمالهم لا عليك، فلا يهمنك إعراضهم ولا تستعجل بعذابهم.
([1]) الـملاوة بتثليث الميم: مدة العيش.
- تفسير سورة الرعد من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
