تفسير سورة الرعد من الآية واحد إلى عشرة
تفسير سورة الرعد من الآية واحد إلى عشرة
المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (1) الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون (2) وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (3) وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (4) وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (5) ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب (6) ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد (7) الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار (8) عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال (9) سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار (10)- {المر} أنا الله أعلم وأرى، عن ابن عباس رضي الله عنهما، [وقيل غير ذلك مما مر في أول سورة البقرة] {تلك آيات الكتاب} أريد بالكتاب السورة، أي تلك الآيات ءايات السورة الكاملة العجيبة في بابها {والذي أنزل إليك من ربك} أي القرءان كله {الحق} [هو الحق والصدق لا كذب فيه ولا خلف] {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} فيقولون: تقوله محمد!
ثم ذكر ما يوجب الإيمان فقال:
- {الله الذي رفع السماوات} خلقها مرفوعة لا أن تكون موضوعة فرفعها {بغير عمد} هو جمع عماد أو عمود {ترونها} الضمير يعود إلى {السموات}، أي ترونها كذلك [بلا عمد ولكن الله يمسكها بقدرته]، أو إلى {عمد}، أي بغير عمد مرئية، [ولها عماد غير مرئي، وهو القدرة، والله يمسكها كذلك بقدرته، وكأنها عماد لها] {ثم استوى على العرش} استولى بالاقتدار ونفوذ السلطان [وهو تبارك وتعالى مالك الـملك في الأزل والأبد لا بحدوث ملك وتجدد ولاية، وهو كسائر ما يذكر في صفات الله تعالى أنه فعل كذا ويفعل كذا، ليس ذلك لانقضاء ما كان في الماضي ولا لحدوث ما يكون في المستقبل، بل هو وصف أزلي أبدي، وصيغة الماضي والحال والمستقبل لظهور المخلوق المفعول في زمان مخصوص، أفاده أبو حفص النسفي في تفسيره] {وسخر الشمس والقمر} لمنافع عباده ومصالح بلاده {كل يجري لأجل مسمى} وهو انقضاء الدنيا {يدبر الأمر} أمر ملكوته [يجري الأمور كلها على علم عواقبها] {يفصل الآيات} يبين ءاياته في كتبه المنزلة {لعلكم بلقاء ربكم توقنون} لعلكم توقنون بأن هذا المدبر والمفصل لا بد لكم من الرجوع إليه.
- {وهو الذي مد الأرض} بسطها {وجعل فيها رواسي} جبالا ثوابت {وأنهارا} جارية {ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين} الأسود والأبيض والحلو والحامض والصغير والكبير وما أشبه ذلك {يغشي الليل النهار} يلبسه مكانه فيصير أسود مظلما بعدما كان أبيض منيرا {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} فيعلمون أن لها صانعا عليما حكيما قادرا.
- {وفي الأرض قطع متجاورات} بقاع مختلفة مع كونها متجاورة متلاصقة، طيبة إلى سبخة([1])، وكريمة إلى زهيدة، وصلبة إلى رخوة، وذلك دليل على قادر مريد، موقع لأفعاله على وجه دون وجه {وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان} والصنوان جمع صنو، وهي النخلة لها رأسان وأصلها واحد {يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل} في الثمر {إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} مثل اختلاف القلوب في ءاثارها وأنوارها وأسرارها باختلاف القطع في أنهارها وأزهارها وثمارها([2]).
- {وإن تعجب} يا محمد من قولهم في إنكار البعث {فعجب قولهم} فقولهم حقيق بأن يتعجب منه، لأن من قدر على إنشاء ما عدد عليك كانت الإعادة أهون شيء عليه وأيسره، فكان إنكارهم أعجوبة من الأعاجيب {أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد} [أي أبعد أن صرنا ترابا نحيا ونعاد للبعث خلقا جديدا كما كنا أول مرة؟!] {أولئك الذين كفروا بربهم} أولئك الكافرون المتمادون في كفرهم، [كفروا بربهم بإنكار البعث وهم مقرون بأنه خالقهم أول مرة] {وأولئك الأغلال في أعناقهم} وصف لهم بالإصرار، أو من جملة الوعيد {وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} دل تكرار {أولئك} على تعظيم الأمر.
- {ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة} بالنقمة قبل العافية، وذلك أنهم سألوا رسول الله ﷺ أن يأتيهم بالعذاب استهزاء منهم بإنذاره {وقد خلت من قبلهم المثلات} عقوبات أمثالهم من المكذبين فما لهم لم يعتبروا بها فلا يستهزئوا، والـمثلة: العقوبة لما بين العقاب والـمعاقب عليه من المماثلة {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} مع ظلمهم أنفسهم بالذنوب، قال السدي: يعني المؤمنين، وهي أرجى ءاية في كتاب الله حيث ذكر المغفرة مع الظلم وهو بدون التوبة، فإن التوبة تزيلها وترفعها {وإن ربك لشديد العقاب} على الكافرين، أو هما جميعا في المؤمنين لكنه معلق بالمشيئة فيهما، أي يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء.
- {ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه} لم يعتدوا بالآيات المنزلة على رسول الله ﷺ عنادا، فاقترحوا نحو ءايات موسى وعيسى من انقلاب العصا حية، وإحياء الموتى، فقيل لرسول الله ﷺ: {إنما أنت منذر} إنما أنت رجل أرسلت منذرا مخوفا لهم من سوء العاقبة، وناصحا كغيرك من الرسل وما عليك إلا الإتيان بما يصح به أنك رسول منذر {ولكل قوم هاد} من الأنبياء يهديهم إلى الدين ويدعوهم إلى الله بآية خص بها لا بما يريدون ويتحكمون.
- {الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد} يعلم ما تحمله من الولد على أي حال هو من ذكورة وأنوثة، وتمام وخداج([3])، وحسن وقبح، وطول وقصر، وغير ذلك، وما تغيضه الأرحام أي ويعلم ما تنقصه وما تزداده، والمراد عدد الولد، فإنها تشتمل على واحد واثنين وثلاثة وأربعة، أو مدة [الحمل] فإنها تكون أقل من تسعة أشهر وأزيد {وكل شيء عنده بمقدار} بقدر وحد لا يجاوزه ولا ينقص عنه.
- {عالم الغيب} ما غاب عن الخلق {والشهادة} ما شاهدوه {الكبير} العظيم الشأن الذي كل شيء دونه {المتعال} المستعلي على كل شيء بقدرته، أو الذي كبر عن صفات المخلوقين وتعالى عنها.
([1]) السبخة: الأرض المالحة التي لا تكاد تنبت.
([2]) وذلك أن الله تعالى أنزل القرءان الذي هو حياة الناس في دينهم، فيتفاضل العباد فيه والقرءان واحد كتفاوت الثمار والماء واحد، أي أنه كما لو شاء لسوى بين جميع الثمار، فكذلك لو شاء لسوى بين قلوب العباد، ولكنه فاوت بينها، فمن متكبر معرض ومن متدبر مقبل.
