تفسير سورة الرعد من الآية أحد عشر إلى عشرين
- تفسير سورة الرعد من الآية أحد عشر إلى عشرين
له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال (11) هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال (12) ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال (13) له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال (14) ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال (15) قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار (16) أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال (17) للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد (18) أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب (19) الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق (20) - {له} لمن أسر ومن جهر من استخفى ومن سرب {معقبات} جماعات من الملائة تعتقب في حفظه {من بين يديه ومن خلفه} قدامه وورائه {يحفظونه من أمر الله} من أجل أمر الله، أي من أجل أن الله تعالى أمرهم بحفظه {إن الله لا يغير ما بقوم} من العافية والنعمة {حتى يغيروا ما بأنفسهم} من الحال الجميلة بكثرة المعاصي([1]) {وإذا أراد الله بقوم سوءا} عذابا {فلا مرد له} فلا يدفعه شيء {وما لهم من دونه} من دون الله، [أي غير الله] {من وال} ممن يلي أمرهم ويدفع عنهم.
- {هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا} يخاف من وقوع الصواعق عند لمع البرق ويطمع في الغيث {وينشئ السحاب الثقال} بالماء.
- {ويسبح الرعد بحمده} عن النبي ﷺ أنه قال: «الرعد ملك موكل بالسحاب معه مخاريق([2]) من نار يسوق بها السحاب»، والصوت الذي يسمع زجره السحاب حتى ينتهي إلى حيث أمر {والملائكة من خيفته} ويسبح الملائكة من هيبته([3]) وإجلاله {ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء} الصاعقة: نار تسقط من السماء، لـما ذكر علمه النافذ في كل شيء واستواء الظاهر والخفي عنده وما دل على قدرته الباهرة ووحدانيته قال: {وهم يجادلون في الله} يعني الذين كذبوا رسول الله ﷺ يجادلون في الله حيث ينكرون على رسوله ما يصفه به من القدرة على البعث وإعادة الخلائق بقولهم: {من يحيي العظام وهي رميم} [يس: 78] ويردون الوحدانية باتخاذ الشركاء ويجعلونه بعض الأجسام بقولهم: الملائكة بنات الله. {وهو شديد المحال} أي الـمماحلة، وهي شدة الـمماكرة والمكايدة لأعدائه، يأتيهم بالهلكة من حيث لا يحتسبون.
- {له دعوة الحق} المعنى أن الله سبحانه يدعى فيستجيب الدعوة ويعطي الداعي سؤله، فكانت [دعوته] دعوة ملابسة للحق، لكونه حقيقا بأن يوجه إليه الدعاء لما في دعوته من الجدوة والنفع بخلاف ما لا ينفع ولا يجدي دعاؤه، وهو وعيد للكفرة على مجادلتهم رسول الله ﷺ لحلول محاله([4]) بهم وإجابة دعوة رسول الله ﷺ فيهم إن دعا عليهم {والذين يدعون من دونه} [يعني الأصنام والأوثان وكل معبوداتهم] من دون الله {لا يستجيبون لهم بشيء} من طلباتهم {إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه} أي لا يستجيبون إلا كاستجابة الماء لمن بسط كفيه إليه طالبا منه أن يبلغ فاه، والماء جماد لا يشعر ببسط كفيه، ولا بعطشه وحاجته إليه، ولا يقدر أن يجيب دعاءه ويبلغ فاه، وكذلك ما يدعونه جماد لا يحس بدعائهم ولا يستطيع إجابتهم ولا يقدر على نفعهم {وما هو ببالغه} وما الماء ببالغ فاه {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} في ضياع لا منفعة فيه، لأنهم إن دعوا الأصنام لم تستطع إجابتهم.
- {ولله يسجد من في السماوات والأرض} سجود تعبد وانقياد {طوعا} يعني الملاكة والمؤمنين {وكرها} يعني المنافقين والكافرين في حال الشدة والضيق {وظلالهم} جمع ظل {بالغدو} جمع غداة {والآصال} جمع أصل جمع أصيل، [والأصيل: العشي، وهو الوقت بين العصر إلى المغرب] قيل: ظل كل شيء يسجد لله الغدو والآصال، فظل الكافر يسجد كرها وهو كاره، وظل المؤمن يسجد طوعا وهو طائع.
- {قل من رب السماوات والأرض قل الله} حكاية لاعترافهم لأنه إذا قال لهم: {من رب السموات والأرض قل الله} لم يكن لهم بد من أن يقولوا الله: {قل أفاتخذتم من دونه أولياء} أبعد أن علمتموه رب السماوات والأرض اتخذتم من دونه ءالهة {لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا} لا يستطيعون لأنفسهم أن ينفعوها أو يدفعوا ضررا عنها، فكيف يستطيعونه لغيرهم؟ وقد ءاثرتموهم على الخالق الرازق الـمثيب الـمعاقب، فما أبين ضلالتكم {قل هل يستوي الأعمى والبصير} أي الكافر والمؤمن {أم هل تستوي الظلمات والنور} ملل الكفر والإيمان {أم جعلوا لله شركاء} بل أجعلوا، ومعنى الهمزة الإنكار {خلقوا كخلقه} خلقوا مثل خلقه، أي أنهم لم يتخذوا لله شركاء خالقين مثل خلق الله {فتشابه الخلق عليهم} فاشتبه عليهم مخلوق الله بمخلوق الشركاء حتى يقولوا: قدر هؤلاء على الخلق كما قدر الله عليه فاستحقوا العبادة فنتخذهم له شركاء ونعبدهم كما يعبد! ولكنهم اتخذوا له شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق فضلا أن يقدروا على ما يقدر عليه الخالق {قل الله خالق كل شيء} خالق الأجسام والأعراض لا خالق غير الله، ولا يستقيم أن يكون له شريك في الخلق فلا يكون له شريك في العبادة {وهو الواحد} المتوحد بالربوبية {القهار} لا يغالب، وما عداه مربوب ومقهور.
- {أنزل} أي الواحد القهار وهو الله سبحانه {من السماء} من السحاب {ماء} مطرا {فسالت أودية} جمع واد {بقدرها} بمقدارها الذي علم الله أنه نافع للممطور عيهم غير ضار {فاحتمل السيل} رفع {زبدا} هو ما على وجه الماء من الرغوة، والمعنى: علاه زبد {رابيا} منتفخا مرتفعا على وجه السيل {ومما يوقدون عليه في النار} [وينشأ من جواهر ومعادن الأرض التي يستخرجونها من الأرض ويوقدون عليها النار ويذيبونها] {ابتغاء حلية} مبتغين حلية [من الذهب والفضة] {أو متاع} من الحديد والنحاس والرصاص يتخذ منها الأواني ما يتمتع به في الحضر والسفر {زبد} خبث [يطفو فوقه] {مثله} أي لهذه الفلزات([5]) إذا أغلبت زبد مثل زبد الماء {كذلك يضرب الله الحق والباطل} أي مثل الحق والباطل {فأما الزبد فيذهب جفاء} متلاشيا وهو ما تقذفه القدر عند الغليان والبحر عند الطغيان {وأما ما ينفع الناس} من الماء والحلي والأواني {فيمكث في الأرض} فيثبت الماء في العيون والآبار والحبوب والثمار [التي تنبت به]، وكذلك الجواهر تبقى في الأرض مدة طويلة {كذلك يضرب الله الأمثال} ليظهر الحق من الباطل، وقيل: هذا مثل ضربه الله للحق وأهله والباطل وحزبه، فمثل الحق وأهله بالماء الذي ينزله من السماء فتسيل به أودية الناس فيحيون به وينفعهم أنواع المنافع، وبالفلز الذي ينتفعون به في صوغ الحلي منه واتخاذ الأواني والآلات المختلفة، وإن ذلك ماكث في الأرض باق بقاء ظاهرا، يثبت الماء في منافعه وكذلك الجواهر تبقى أزمنة متطاولة، وشبه الباطل في سرعة اضمحلاله ووشك زواله بزبد السيل الذي يرمي به، وبزبد الفلز الذي يطفو فوقه إذا أذيب.
- {للذين استجابوا لربهم} للمؤمنين الذين استجابوا لربهم [بالطاعة] {الحسنى} الـمثوبة الحسنى، وهي الجنة {والذين لم يستجيبوا له} [لم يجيبوا إلى الإيمان به، وهم الكفرة] {لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به} لو ملكوا أموال الدنيا وملكوا معها مثلها لبذلوه ليدفعوا عن أنفسهم عذاب الله {أولئك لهم سوء الحساب} [وهو المؤاخذة بكل ما عملوه ولا يتجاوز لهم عن شيء منه] {ومأواهم جهنم} ومرجعهم بعد المحاسبة النار {وبئس المهاد} المكان الـممهد جهنم.
- {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى} [أي ليس الذي استجاب لله في دعوة الحق وعلم أن ما أوحي إليك حق كالذي لم يستحب له فيها وعمي عنها] إنما يتذكر أولوا الألباب} [إنما يتعظ] الذين عملوا على قضايا عقلهم فنظروا ةاستبصروا.
{الذين يوفون بعهد الله} عهد الله: ما عقدوه على أنفسهم من الشهادة بربوبيته {ولا ينقضون الميثاق} ما وثقوه على أنفسهم وقبلوه من الإيمان بالله وغيره من المواثيق.
([1]) هذا ليس باعتبار الأفراد بل باعتبار الأقوام، أما باعتبار الأفراد فقد يغير الله حال العبد من الرخاء إلى المجاعة ومن الراحة إلى التعب بدون ذلك الشرط، أما من حيث الجملة فلا يصير إلا أن يغير القوم حالهم.
([2]) جمع مخراق هو في الأصل منديل يلف ليضرب به وهو هنا ما يسوق به الملائكة السحاب.
- تفسير سورة الرعد من الآية أحد عشر إلى عشرين
