تفسير سورة الحج من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
- تفسير سورة الحج من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
ولهم مقامع من حديد (21) كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق (22) إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (23) وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد (24) إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم (25) وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود (26) وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق (27) ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير (28) ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق (29) ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور (30) - {ولهم مقـامع} سياط مختصة بهم {من حديد} يضربون بها.
- {كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم} كلما أرادوا الخروج من النار من أجل غم يلحقهم {أعيدوا فيها} بالمقامع، والمراد إعادتهم إلى معظم النار، لا أنهم ينفصلون عنها بالكلية ثم يعودون إليها {وذوقوا} وقيل لهم: ذوقوا {عذاب الحريق} هو الغليظ من النار المنتشر العظيم الإهلاك. ثم ذكر جزاء الخصم الآخر فقال:
- {إن الله يدخل الذين ءامنوا وعملوا الصـالحـات جنـات تجري من تحتها الأنهـار يحلون فيها من أساور من ذهب} [وقال في سورة الإنسان {وحلوا أساور من فضة} قيل: يجمع لهم الذهب والفضة جميعا، وهو أجمل] {ولؤلؤا} [ويحلون لؤلؤا] {ولباسهم فيها حرير} [من حرير الجنة، هو أعلى مما في الدنيا بكثير، ليس بينهما إلا الاسم].
- {وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد} أرشد هؤلاء في الدنيا إلى كلمة التوحيد وإلى صراط [الله المحمود، أي] الإسلام.
- {إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله} يمنعون عن الدخول في الإسلام {والمسجد الحرام} ويصدون عن المسجد الحرام والدخول فيه {الذي جعلنـاه للناس} مطلقا من غير فرق بين حاضر وباد، [يصلون فيه ويطوفون به ويقيمون فيه سائر القرب، فهو] قبلة لجميع الناس {سواء} جعلناه مستويا {العـاكف فيه} المقيم [بمكة] {والباد} وغير المقيم {ومن يرد فيه} في المسجد الحرام([1]) {بإلحاد بظلم} ومن يرد فيه مرادا ما عادلا([2]) عن القصد ظالما، فالإلحاد: العدول عن [الحق على الباطل] {نذقه من عذاب أليم} في الآخرة، [وهذا وعيد على الإرادة فكيف بالتحقيق؟].
- {وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت} واذكر يا محمد حين جعلنا لإبراهيم مكان البيت مباءة أي مرجعا يرجع إليه للعمارة والعبادة، فأعلم الله تعالى إبراهيم مكانه فبناه على أسه القديم {أن} قائلين له: {لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي} من الأصنام والأقذار {للطائفين} لمن يطوف به {والقائمين} والمقيمين بمكة، [وقيل: هم المصلون، ذكر من أركانها أعظمها وهو القيام والركوع والسجود] {والركع السجود} المصلين، جمع راكع وساجد.
- {وأذن في الناس بالحج} ناد فيهم، والحج هو القصد البليغ إلى مقصد منيع. روي أنه صعد أبا قبيس فقال: يا أيها الناس حجوا بيت ربكم، فأجاب من قدر له أن يحج من الأصلاب والأرحام بلبيك اللهم لبيك([3]) {يأتوك رجالا} مشاة، جمع راجل {وعلى كل ضامر} كأنه قال: رجالا وركبانا، والضامر: البعير المهزول، وقدم الرجال على الركبان إظهارا لفضيلة المشاة {يأتين من كل فج} طريق {عميق} بعيد.
- {ليشهدوا} ليحضروا {منـافع لهم} مختصة بهذه العبادة لا توجد في غيرها من العبادة، وهذا لأن العبادة شرعت للابتلاء بالنفس كالصلاة والصوم، أو بالمال كالزكاة، وقد اشتمل الحج عليهما مع ما فيه من تحمل الأثقال، وركوب الأهوال، وهجرة البلاد والأوطان، وفرقة الأولاد والخلان. وغسل من يحرم وتأهبه، ولبسه غير الـمخيط، وتطيبه، مرءاة لما سيأتي عليه من وضعه على سريره لغسله، وتجهيزه مطيبا بالحنوط، ملفقا في كفن غير مخيط، ثم الـمحرم يكون أشعث حيران، فكذا يوم الحشر يخرج من القبر لهفان([4])، ووقوف الحجيج بعرفات ءاملين رغبا ورهبا، سائلين خوفا وطمعا، وهم من بين مقبول ومخذول، كموقف العرصات([5]) {يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد} [هود: 105]، والإفاضة إلى المزدلفة بالمساء هو السوق لفصل القضاء، ومنى هو موقف الـمنى للمذنبين إلى شفاعة الشافعين، وحلق الرأس والتنظيف كالخروج من السيئات بالرحمة والتخفيف، والبيت الحرام الذي من دخله كان ءامنا من الإيذاء والقتال، أنموذج لدار السلام التي هي من نزلها بقي سالما من الفناء والزوال، غير أن الجنة حفت بمكاره النفس العادية، كما أن الكعبة حفت بمتالف البادية([6])، فمرحبا بمن جاوز مهالك البوادي([7])، شوقا إلى اللقاء يوم التنادي {ويذكروا اسم الله} عند الذبح {في أيام معلومـات} هي عشر ذي الحجة، وءاخرها يوم النحر، [وعند بعض أيام التشريق، وعند بعض يوم النحر وأيام التشريق] {على ما رزقهم من بهيمة الأنعـام} [وليتقربوا إلى الله تعالى بالذبائح ويذكروا اسم الله عليها]، بينت بالأنعام وهي الإبل والبقر والضأن والمعز {فكلوا منها} من لحومها، والأمر للإباحة، ويجوز الأكل من هدي التطوع والـمتعة والقران لأنه دم نسك فأشبه الأضحية، ولا يجوز الأكل من بقية الهدايا {وأطعموا البائس} الذي أصابه بؤس أي شدة {الفقير} الذي أضعفه الإعسار.
- {ثم ليقضوا تفثهم} ثم ليزيلوا عنهم أدرانهم([8]) {وليوفوا نذورهم} مواجب حجهم، والعرب تقول لكل من خرج عما وجب عليه: وفى بنذره وإن لم ينذر {وليطوفوا} طواف الزيارة الذي هو ركن الحج ويقع به تمام التحلل([9]). {بالبيت العتيق} القديم لأنه أول بيت وضع للناس، بناه ءادم ثم جدده إبراهيم.
{ذلك} أي الأمر ذلك {ومن يعظم حرمات الله} الحرمة: ما لا يحل هتكه، وجميع ما كلفه الله عز وجل بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها، فيحتمل أن يكون عاما في جميع تكاليفه، ويحتمل أن يكون خاصا بما يتعلق بالحج. {فهو} أي التعظيم {خير له عند ربه} ومعنى التعظيم العلم بأنها واجبة المراعاة والحفظ، والقيام بمراعاتها {وأحلت لكم الأنعـام} أي أكلها {إلا ما يتلى عليكم} ءاية تحريمه، وذلك قوله: {حرمت عليكم الميتة} الآية [المائدة: 3]، والمعنى أن الله تعالى أحل لكم الأنعام إلا ما بين في كتابه، فحافظوا على حدوده، ولا تحرموا شيئا مما أحل كتحريم البحيرة ونحوها، ولا تحلوا مما حرم كإحلالهم أكل الموقوذة والـميتة وغيرهما. ولما حث على تعظيم حرماته أتبعه الأمر باجتناب الأوثان وقول الزور بقوله {فاجتنبوا الرجس من الأوثـان} فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، وسمى الأوثان رجسا على طريقة التشبيه، يعني أنكم كما تنفرون بطبائعكم عن [الأنجاس] فعليكم أن تنفروا عنها {واجتنبوا قول الزور} لأن ذلك من أعظم الحرمات وأسبقها خطوا.
([1]) الظلم هناك لمجرد النية يكتب على الشخص، إذا رجح جانب الفعل هناك يكتب عليه.
([3]) كل من يحج هذا البيت إلى يوم القيامة أرواحهم سمعت نداء إبراهيم بقدرة الله، أبو قبيس جبل مطل على الكعبة، أقرب الجبال إلى البيت هو هذا الجبل.
([4]) اللهفان: المتحسر. أما الأنبياء والأتقياء فلا يصيبهم فزع لأنهم ءامنون.
([5]) العرصات: جمع عرصة، وهي كل بقعة بين الدور واسعة، ليس فيها بناء، وعرصات القيامة: أماكن القيامة.
([6]) أي: لا يوصل إليها إلا بتجاوز ذلك.
([7]) يمر ببواد فيها هلاك، في الماضي ليس في القرون الثلاثة الأولى، بل منذ نحو مائتين أو ثلاثمائة سنة، العرب الذين كانوا قبل مكة يسلبون الحجاج حتى لباسهم من شدة البؤس، أما قبل ذلك فكانوا يكرمون الحجاج.
([8]) الأدران: الأوساخ، في الماضي كان يصير الحاج في نهاية المناسك أشعث أغبر وكانت المشقة أكبر بكثير وهكذا الأجر كان أكبر بكثير.
([9]) المراد به طواف الإفاضة، غير طواف القدوم وغير طواف الوداع.
- تفسير سورة الحج من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
