تفسير سورة الحج من الآية واحد إلى عشرة
سورة الحج
مكية، وهي ثمان وسبعون ءايةبسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة الحج من الآية واحد إلى عشرة
يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم (1) يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد (2) ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد (3) كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير (4) يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج (5) ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير (6) وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور (7) ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير (8) ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق (9) ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد (10)- {يا أيها الناس اتقوا ربكم} أمر بني ءادم بالتقوى، ثم علل وجوبها عليهم بذكر الساعة، ووصفها بأهول صفة بقوله: {إن زلزلة الساعة شيء عظيم} لينظروا إلى تلك الصفة ببصائرهم ويتصوروها بعقولهم، حتى يبقوا على أنفسهم ويرحموها من شدائد ذلك اليوم بامتثال ما أمرهم به ربهم من التردي([1]) بلباس التقوى الذي يؤمنهم من تلك الأفزاع. والزلزلة: شدة التحريك والإزعاج.
- {يوم ترونها} أي الزلزلة أو الساعة {تذهل} تغفل، والذهول: الغفلة {كل مرضعة عمآ أرضعت} عن الذي أرضعته، وهو الطفل {وتضع كل ذات حمل} أي حبلى {حملها} ولدها قبل {وترى الناس} أيها الناظر {سكـارى} على التشبيه {وما هم بسكـارى} على التحقيق {ولكن عذاب الله شديد} فخوف عذاب الله هو الذي أذهب عقولهم، وطير تمييزهم، وردهم في نحو حال من يذهب السكر بعقله وتمييزه.
- {ومن الناس من يجـادل في الله} في دين الله {بغير علم} حال، نزلت في النضر بن الحرث وكان جدلا يقول: الملائكة بنات الله، والقرءان أساطير الأولين، والله غير قادر على إحياء من بلي، أو هي عامة في كل من يخاصم في الدين بالهوى {ويتبع} في ذلك {كل شيطـان مريد} عات مستمر في الشر.
- {كتب عليه} قضي على الشيطان {أنه من تولاه} تبعه {فأنه} فأن الشيطان {يضله} عن سواء السبيل {ويهديه إلى عذاب السعير} النار، والمعنى: كتب على الشيطان إضلال من تولاه وهدايته إلى النار.
ثم ألزم الحجة منكري البعث فقال:
- {يـا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث} إن ارتبتم في البعث فمزيل ريبكم أن تنظروا في بدء خلقكم وقد كنتم في الابتداء ترابا وماء، وليس سبب إنكاركم البعث إلا هذا، وهو صيرورة الخلق ترابا وماء {فإنا خلقنـاكم} أي ءاباءكم {من تراب ثم} خلقتم {من نطفة} [وهو الـمني] {ثم من علقة} قطعة دم جامدة {ثم من مضغة} لحمة صغيرة قدر ما يمضغ {مخلقة وغير مخلقة} الـمخلقة: الـمسواة الـملساء من النقصان والعيب، كأن الله عز وجل يخلق الـمضغ متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك، فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم، وإنما نقلناكم من حال إلى حال ومن خلقة إلى خلقة {لنبين لكم} بهذا التدريج كمال قدرتنا وحكمتنا، وأن من قدر على خلق البشر من تراب أولا ثم من نطفة ثانيا – ولا مناسبة بين التراب والماء – وقدر أن يجعل النطفة علقة، والعلقة مضغة، والمضغة عظاما، قادر على إعادة ما بدأه {ونقر} نثبت {في الأرحام ما نشاء} ثبوته {إلى أجل مسمى} أي وقت الولادة، وما لم نشأ ثبوته أسقطته {ثم نخرجكم} من الرحم {طفلا ثم لتبلغوا أشدكم} كمال عقلكم وقوتكم {ومنكم من يتوفى} عند بلوغ الأشد أو قبله أو بعده {ومنكم من يرد إلى أرذل العمر} يعني الهرم والخرف {لكيلا يعلم من بعد علم شيئا} لكيلا يعلم شيئا من بعد ما كان يعلمه، ثم ذكر دليلا آخر على البعث فقال: {وترى الأرض هامدة} ميتة يابسة {فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت} تحركت بالنبات([2]) {وربت} وانتفخت {وأنبتت من كل زوج} صنف {بهيج} حسن سار للناظر إليه.
- {ذلك بأن الله هو الحق} ذلك الذي ذكرنا من خلق بني ءادم وإحياء الأرض مع ما في تضاعيف ذلك من أصناف الحكم حاصل بهذا، وهو أن الله هو الحق أي الثابت الوجود {وأنه يحيى الموتى} كما أحيا الأرض {وأنه على كل شيء قدير} قادر.
- {وأن الساعة ءاتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور} أي أنه حكيم لا يخلف ميعاده، وقد وعد الساعة والبعث فلا بد أن يفي بما وعد.
- {ومن الناس من يجـادل في الله} في صفاته فيصفه بغير ما هو له. نزلت في أبي جهل، {بغير علم} ضروري([3]) {ولا هدى} استدلالي([4])، لأنه يهدي إلى المعرفة {ولا كتـاب منير} أي وحي، والعلم للإنسان من أحد هذه الوجود الثلاثة([5]).
- {ثاني عطفه} لاويا عنقه عن طاعة الله كبرا وخيلاء {ليضل} تعليل للمجادلة {عن سبيل الله} دينه {له في الدنيا خزى} أي القتل يوم بدر {ونذيقه يوم القيـامة عذاب الحريق} جمع له عذاب الدارين.
([2]) أي: تحركت في رأي العين بسبب حركة النبات.
([3]) معناه لا يعرف العلم الضروري ولا المكتسب.
([4]) معناه لا يعرف العلم الضروري ولا المكتسب.
([5]) العلم الثابت إما أن يكون ضروريا أو نظريا، وإما أن يكون كتابا منزلا وخبر نبي.
