تفسير سورة الحج من الآية أحد عشر إلى عشرين
- تفسير سورة الحج من الآية أحد عشر إلى عشرين
ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين (11) يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد (12) يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير (13) إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار إن الله يفعل ما يريد (14) من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ (15) وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدي من يريد (16) إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد (17) ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء (18) هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم (19) يصهر به ما في بطونهم والجلود (20) - {ومن الناس من يعبد الله على حرف} على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه، وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم لا على سكون وطمأنينة {فإن أصابه خير} صحة في جسمه وسعة في معيشته {اطمأن} سكن واستقر {به} بالخير الذي أصابه فعبد الله {وإن أصابته فتنة} شر وبلاء في جسده وضيق في معيشته {انقلب على وجهه} ارتد ورجع إلى الكفر، كالذي يكون على طرف من العسكر فإن أحس بظفر وغنيمة قر واطمأن وإلا فر وطار على وجهه. قالوا: نزلت في أعاريب قدموا المدينة مهاجرين، وكان أحدهم إذا صح بدنه، ونتجت فرسه مهرا سويا، وولدت امرأته غلاما سويا، وكثر ماله وماشيته قال: ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيرا واطمأن، وإن كان الأمر بخلافه قال: ما أصبت إلا شرا وانقلب عن دينه {خسر الدنيا والاخرة} الخسران في الدنيا بالقتل فيها، وفي الآخرة بالخلود في النار {ذلك} أي خسران الدارين {هو الخسران المبين} الظاهر الذي لا يخفي على أحد.
- {يدعوا من دون الله} يعني الصنم، فإنه بعد الردة يفعل كذلك {ما لا يضره} إن لم يعبده {وما لا ينفعه} إن عبده {ذلك هو الضلال البعيد} عن الصواب.
- {يدعوا لمن ضرها أقرب من نفعه} نفى [الله تعالى] الضر والنفع عن الأصنام قبل هذه الآية [بمعنى أنها جماد ليس لها مشيئة النفع أو الضر ولا القدرة على ذلك] وأثبتهما لها هنا، [بمعنى أنها تضره يوم القيامة لأنها كانت سببا في ضلاله وعذابه بالقتل في الدنيا والخلود في النار في الآخرة، وذلك أقرب من النفع الذي كان يأمله منها ويرجوه بسببها من الشفاعة والتوسل بها إلى الله {لبئس المولى} الناصر {ولبئس العشير} الصاحب.
- {إن الله يدخل الذين ءامنوا وعملوا الصـالحـات جنـات تجري من تحتها الأنهـار إن الله يفعل ما يريد} هذا وعد لمن عبد الله بكل حال، لا لمن عبد الله على حرف.
- {من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والأخرة} المعنى أن الله ناصر رسوله في الدنيا والآخرة، فمن ظن من أعاديه غير ذلك {فليمدد بسبب} بحبل {إلى السماء} إلى سماء بيته [أي فليعلق حبلا في سقف بيته] {ثم ليقطع} ثم ليختنق به، وسمة الاختناق قطعا لأن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه. {فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ} المعنى: فليصور في نفسه أنه إن فعل ذلك هل يذهب [كيده] نصر الله الذي يغيظه. وسمي فعله كيدا على سبيل الاستهزاء لأنه لم يكد به محسوده إنما كاد به نفسه، والمراد: ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظه.
- {وكذلك أنزلنـاه} ومثل ذلك الإنزال أنزل القرءان كله {ءايات بينات} واضحات {وأن الله يهدي من يريد} [هدايته، أي لا اهتداء إلا بإرادته].
- {إن الذين ءامنوا والذين هادوا والصابئين والنصـارى والمجوس والذين أشركوا} قيل: الأديان خمسة: أربعة للشيطان، وواحد للرحمن، والصابئون نوع من النصارى فلا تكون ستة([1]) {إن الله يفصل بينهم يوم القيـامة} في الأحوال والأماكن فلا يجازيهم جزاء واحدا ولا يجمعهم في موطن واحد {إن الله على كل شيء شهيد} عالم به حافظ له، فلينظر كل امرئ معتقده، وقوله وفعله، وهو أبلغ وعيد.
- {ألم تر} ألم تعلم يا محمد علما يقوم مقام العيان {أن الله يسجد له من في السمـاوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب} قيل: إن الكل يسجد له، ولكنا لا نقف عليه كما لا نقف على تسبيحها، قال الله تعالى: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولـكن لا تفقهون تسبيحهم} [الإسراء: 44]، وقيل: سمي مطاوعة غير المكلف له فيما يحدث فيه من أفعاله وتسخيره له سجودا له تشبيها لمطاوعته بسجود المكلف الذي كل خضوع دونه([2]) {وكثير من الناس} ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة وعبادة {وكثير حق عليه العذاب} وكثير منهم حق عليه العذاب بكفره وإبائه السجود {ومن يهن الله} بالشقاوة {فما له من مكرم} بالسعادة {إن الله يفعل ما يشاء} من الإكرام والإهانة وغير ذلك.
- {هـذان خصمان} فريقان مختصمان {اختصموا} المراد المؤمنون والكافرون، فالمؤمنون خصم، وسائر الخمسة خصم {في ربهم} في دينه وصفاته، ثم بين جزاء كل خصم بقوله {فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار} كأن الله يقدر لهم نيرانا على مقادير جثثهم تشتمل عليهم كما تقطع الثياب الملبوسة {يصب من فوق رءوسهم الحميم} الماء الحار [البالغ منتهى الحرارة]، عن ابن عباس رضي الله عنهما: لو سقطت منه نقطة على جبال الدنيا لأذابتها.
{يصهر} يذاب {به} بالحميم {ما في بطونهم والجلود} يذيب أمعاءهم وأحشاءهم كما يذيب جلودهم فيؤثر في الظاهر والباطن.
([1]) هذا على قول، وقيل إن الصابئين فرقتان: قوم من النصارى ويخالفونهم في أشياء، وقوم قبل النصارى، ولا يزالون إلى الآن يعبدون الكواكب، وقيل إنهم يعبدون الملائكة.
([2]) أي أشد الخضوع من حيث الظاهر، لأن المنافق قد يسجد وهو لا يؤمن بالله.
- تفسير سورة الحج من الآية أحد عشر إلى عشرين
