- تفسير سورة التوبة من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (31) يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون (32) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (33) يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (34) يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون (35) إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين (36) إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين (37) يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل (38) إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير (39) إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم (40) - {اتخذوا} أي أهل الكتابين {أحبارهم} علماءهم {ورهبانهم} نساكهم {أربابا} ءالهة {من دون الله} حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله {والمسيح ابن مريم} اتخذوه ربا حيث جعلوه ابن الله {وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} تنزيه له عن الإشراك.
- {يريدون أن يطفؤوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون} مثل حالهم في طلبهم أن يبطلوا نبوة محمد ﷺ بالتكذيب بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم منبث في الآفاق يريد الله أن يزيده ويبلغه الغاية القصوى من الإشراق ليطفئه بنفخة، [وقيل: نور الله: القرءان والإسلام، وقيل: الدلالة والبرهان، و{بأفواههم} أي بجدال بألسنتهم من غير حجة ولا برهان {ويأبى الله إلا أن يتم نوره} أي لا يريد الله إلا تمام هذا النور، وهو إبقاء الإسلام والإيمان والقرءان، وإيضاح الحجة والبرهان، وفيه تخييبهم وقطع أطماعهم].
- {هو الذي أرسل رسوله} محمدا عليه الصلاة والسلام {بالهدى} بالقرءان {ودين الحق} الإسلام {ليظهره} ليعليه {على الدين كله} على أهل الأديان كلهم، أو ليظهر دين الحق على كل دين {ولو كره المشركون} [ذلك].
- {يا أيها الذين ءامنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس} استعار لأكل للأخذ {بالباطل} بالرشا في الأحكام {ويصدون} سفلتهم {عن سبيل الله} دينه {والذين يكنزون الذهب والفضة} يجوز أن يكون إشارة إلى الكثير من الأحبار والرهبان للدلالة على اجتماع ذميمتين فيهم: أخذ الرشا وكنز الأموال والضن([1]) بها عن الإنفاق في سبيل الخير، ويجوز أن يراد المسلمون الكانزون غير المنفقين [الذين لا يؤدون حق المال عليهم]، ويقرن بينهم وبين المرتشين من أهل الكتاب تغليظا {ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم}.
- {يوم يحمى عليها في نار جهنم} النار تحمى [على هذه الأموال] أي توقد {فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم} يكوون على الجهات الأربع {هذا ما كنزتم لأنفسكم} يقال لهم: هذا ما كنزتموه لتنتفع به نفوسكم وما علمتم أنكم كنزتموه لتستضر به أنفسكم، فهو توبيخ {فذوقوا ما كنتم تكنزون} وبال المال الذي كنتم تكنزونه.
- {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا} المراد بيان أن أحكام الشرع تبتنى على الشهور القمرية المحسوبة بالأهلة دون الشمسية {في كتاب الله} فيما أثبته وأوجبه من حكمته، أو في اللوح {يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم} ثلاثة سرد: ذو القعدة للقعود عن القتال، وذو الحجة للحج، والـمحرم لتحريم القتال فيه، وواحد فرد وهو رجب لترجيب العرب إياه أي لتعظيمه {ذلك الدين القيم} يعني أن تحريم الأربعة الأشهر هو الدين المستقيم ودين إبراهيم وإسماعيل {فلا تظلموا فيهن} في الحرم {أنفسكم} بارتكاب المعاصي {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} جميعا {واعلموا أن الله مع المتقين} ناصر لهم، حثهم على التقوى بضمان النصرة لأهلها.
- {إنما النسيء} وهو تأخير حرمة الشهر إلى شهر ءاخر، وذلك أنهم كانوا أصحاب حروب وغارات، فإذا جاء الشهر الحرام وهم محاربون شق عليهم ترك المحاربة فيحلونه ويحرمون مكانه شهرا ءاخر حتى رفضوا تخصيص الأشهر الحرم بالتحريم {زيادة في الكفر} هذا الفعل منهم زيادة في كفرهم {يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما} إذا أحلوا شهرا من الأشهر الحرم عاما رجعوا فحرموه في العام القابل {ليواطؤوا عدة ما حرم الله} ليوافقوا العدة التي هي الأربعة ولا يخالفوها {فيحلوا ما حرم الله} فيحلوا بمواطأة العدة وحدها من غير تخصيص ما حرم الله من القتال، أو من ترك الاختصاص للأشهر بعينها {زين لهم سوء أعمالهم} زين الشيطان لهم ذلك فحسبوا أعمالهم القبيحة حسنة {والله لا يهدي القوم الكافرين} حال اختيارهم الثبات على الباطل.
- {يا أيها الذين ءامنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا} اخرجوا {في سبيل الله اثاقلتم} تثاقلتم أي تباطأتم {إلى الأرض} ملتم إلى الدنيا وشهواتها وكرهتم مشاق السفر ومتاعبه، أو ملتم إلى الإقامة بأرضكم ودياركم، وكان ذلك في غزوة تبوك، استنفروا في وقت عسرة وقحط وقيظ([2]) مع بعد الشقة([3]) وكثرة العدو فشق عليهم ذلك، وقيل: ما خرج رسول الله ﷺ في غزوة إلا ورى عنها بغيرها إلا في غزوة تبوك، ليستعد الناس تمام العدة {أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة} بدل الآخرة {فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة} في جنب الآخرة {إلا قليل}.
- {إلا تنفروا} إلى الحرب {يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا} سخط عظيم على المتثاقلين حيث أوعدهم بعذاب أليم مطلق يتناول عذاب الدارين {والله على كل شيء} من التبديل والتعذيب وغيرهما {قدير}.
{إلا تنصروه فقد نصره الله} إن لا تنصروه فسينصره من نصره حين لم يكن معه إلا رجل واحد، فدل على أنه ينصره في المستقبل كما نصره في ذلك الوقت {إذ أخرجه الذين كفروا} أسند الإخراج إلى الكفار لأنهم حين هموا بإخراجه أذن الله له في الخروج، فكأنهم أخرجوه {ثاني اثنين} وهما رسول الله ﷺ وأبو بكر {إذ هما في الغار} هو نقب في أعلى ثور، وهو جبل في يمنى مكة على مسيرة ساعة، مكثا فيه ثلاثا {إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} بالنصرة والحفظ، طلع المشركون فوق الغار فأشفق أبو بكر على رسول الله ﷺ فقال: إن تصب اليوم ذهب دين الله فقال عليه الصلاة والسلام: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما([4])». وقيل: لما دخل الغار بعث الله حمامتين فباضتا في أسفله، والعنكبوت فنسجت عليه. وقالوا [أي الفقهاء]: من أنكر صحبة أبي بكر فقد كفر لإنكاره كلام الله {فأنزل الله سكينته} ما ألقى في قلبه من الأمنة التي سكن عندها وعلم أنهم لا يصلون إليه {عليه} على النبي ﷺ، أو على أبي بكر وكان النبي ساكن القلب {وأيده بجنود لم تروها} هم الملائكة صرفوا وجوه الكفار وأبصارهم عن أن يروه {وجعل كلمة الذين كفروا} دعوتهم إلى الكفر {السفلى وكلمة الله} دعوته إلى الإسلام {هي العليا} هي كانت ولم تزل عالية {والله عزيز} يعز بنصره أهل كلمته {حكيم} يضل أهل الشرك بحكمته.
([1]) أي: البخل.
([2]) القيظ: شدة الحر.
([3]) الشقة: المسافة، والشقة أيضا: السفر البعيد.
([4]) أي: ناصرهما.