تفسير سورة التوبة من الآية واحد إلى عشرة
تفسير سورة التوبة من الآية واحد إلى عشرة
براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين (1) فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين (2) وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم (3) إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين (4) فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم (5) وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون (6) كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين (7) كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون (8) اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون (9) لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون (10)لها أسماء: براءة، التوبة، الـمبعثرة، الـمخزية، الفاضحة [وغيرها من الأسماء]، لأن فيها التوبة على المؤمنين، وهي تبعث عن أسرار المنافقين وتفضحهم، وتخزيهم، وفي ترك التسمية في ابتدائها أقوال؛ فعن علي وابن عباس رضي الله عنهم أن بسم الله أمان، وبراءة نزلت لرفع الأمان، [وقيل غير ذلك].
- {براءة} أي هذه براءة {من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين} المعنى أن الله ورسوله قد برئا من العهد الذي عاهدتم به المشركين، وأنه منبوذ إليهم.
- {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} فسيروا في الأرض كيف شئتم، والسيح: السير على مهل، روي أنهم عاهدوا المشركين من أهل مكة وغيرهم من العرب فنكثوا إلا ناسا منهم، وهم بنو ضمرة وبنو كنانة، فنبذ العهد إلى الناكثين، وأمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر ءامنين أين شاؤوا لا يتعرض لهم، وهي الأشهر الحرم في قوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} ذلك لصيانة الأشهر الحرم من القتل والقتال فيها، وكان نزولها سنة تسع من الهجرة، وفتح مكة سنة ثمان، والجمهور على إباحة القتال في الأشهر الحرم، وأن ذلك قد نسخ {واعلموا أنكم غير معجزي الله} لا تفوتونه وإن أمهلكم {وأن الله مخزي الكافرين} مذلهم في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالعذاب.
- {وأذان من الله ورسوله إلى الناس} الأذان بمعنى الإعلام، والفرق بين الجملة الأولى [وهي {براءة من الله ورسوله}] والثانية [وهي {وأذان من الله ورسوله}] أن الأولى إخبار بثبوت البراءة، والثانية إخبار بوجوب الإعلام بما ثبت، وإنما علقت البراءة بالذين عوهدوا من المشركين وعلق الأذان بالناس لأن البراءة مختصة بالمعاهدين والناكثين منهم، وأما الأذان فعام لجميع الناس من عاهد ومن لم يعاهد ومن نكث من المعاهدين ومن لم ينكث {يوم الحج الأكبر} يوم النحر لأن فيه تمام الحج من الطواف والنحر والحلق والرمي، ووصف الحج بالأكبر لأن العمرة تسمى الحج الأصغر {أن الله بريء من المشركين ورسوله} أي ورسوله بريء {فإن تبتم} من الكفر والغدر {فهو} أي التوبة {خير لكم} من الإصرار على الكفر {وإن توليتم} عن التوبة {فاعلموا أنكم غير معجزي الله} غير سابقين الله ولا فائتين أخذه وعقابه {وبشر الذين كفروا بعذاب أليم} مكان بشارة المؤمنين بنعيم مقيم.
- {إلا الذين عاهدتم من المشركين} المعنى: براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين إلا الذين عاهدتم منهم {ثم لم ينقصوكم شيئا} من شروط العهد أي وفوا بالعهد ولم ينقضوه {ولم يظاهروا عليكم أحدا} ولم يعاونوا عليكم عدوا {فأتموا إليهم عهدهم} فأدوا إليهم تاما كاملا {إلى مدتهم} إلى تمام مدتهم ولا تجروهم مجراهم ولا تجعلوا الوفي كالغادر {إن الله يحب المتقين} يعني أن قضية التقوى ألا يسوى بين الفريقين، فاتقوا الله في ذلك.
- {فإذا انسلخ} مضى {الأشهر الحرم} التي أبيح فيها للناكثين أن يسيحوا {فاقتلوا المشركين} الذين نقضوكم وظاهروا عليكم {حيث وجدتموهم} من حل أو حرم {وخذوهم} وأسروهم {واحصروهم} وقيدوهم وامنعوهم من التصرف في البلاد {واقعدوا لهم كل مرصد} كل ممر ومجتز ترصدونهم به {فإن تابوا} عن الكفر {وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} فأطلقوا عنهم بعد الأسر والحصر، أو لا تتعرضوا لهم {إن الله غفور} بستر الكفر والغدر بالإسلام {رحيم} برفع القتل قبل الأداء بالالتزام.
- {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره} وإن جاءك أحد من المشركين بعد انقضاء الأشهر لا عهد بينك وبينه واستأمنك ليسمع ما تدعو إليه من التوحيد والقرءان فأمنه {حتى يسمع كلام الله} ويتدبره ويطلع على حقيقة الأمر {ثم أبلغه} بعد ذلك {مأمنه} داره التي يأمن فيها إن لم يسلم، ثم قاتله إن شئت، وفيه دليل على أن المستأمن لا يؤذى، وليس له الإقامة في دارنا، ويمكن من العود {ذلك} الأمر بالإجارة في قوله: {فأجره}: {بأنهم قوم لا يعلمون} بسبب أنهم قوم جهلة لا يعلمون ما الإسلام، وما حقيقة ما يدعو إليه، فلا بد من إعطائهم الأمان حتى يسمعوا أو يفهموا الحق.
- {كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله} أي مستنكر أن يثبت لهؤلاء عهد، فلا تطمعوا في ذلك ولا تحدثوا به نفوسكم {إلا الذين عاهدتم} أي ولكن الذين عاهدتم منهم {عند المسجد الحرام} ولم يظهر منهم نكث كبني كنانة وبني ضمرة، فتربصوا أمرهم ولا تقاتلوهم {فما استقاموا لكم} فما أقاموا على وفاء العهد {فاستقيموا لهم} على الوفاء {إن الله يحب المتقين} يعني أن التربص بهم من أعمال المتقين.
- {كيف وإن يظهروا عليكم} تكرار لاستبعاد ثبات المشركين على العهد {لا يرقبوا فيكم إلا} لا يراعوا حلفا أو قرابة {ولا ذمة} عهدا {يرضونكم بأفواههم} بالوعد بالإيمان والوفاء بالعهد {وتأبى قلوبهم} الإيمان والوفاء بالعهد {وأكثرهم فاسقون} ناقصون العهد.
- {اشتروا} استبدلوا {بآيات الله} بالقرءان {ثمنا قليلا} عرضا يسيرا وهو اتباع الأهواء والشهوات {فصدوا عن سبيله} فعدلوا عنه وصرفوا غيرهم {إنهم ساء ما كانوا يعملون} بئس الصنيع صنيعهم.
