تفسير سورة التوبة من الآية مئة وواحد وعشرين إلى مئة وتسع وعشرين
- تفسير سورة التوبة من الآية مئة وواحد وعشرين إلى مئة وتسع وعشرين
ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون (121) وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون (122) يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين (123) وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (124) وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون (125) أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون (126) وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون (127) لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم (128) فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم (129) - {ولا ينفقون نفقة} في سبيل الله {صغيرة} ولو تمرة {ولا كبيرة} مثل ما أنفق عثمان رضي الله عنه في جيش العسرة {ولا يقطعون واديا} في ذهابهم ومجيئهم {إلا كتب لهم ليجزيهم الله} أثبت في صحائفهم لأجل الجزاء {أحسن ما كانوا يعملون} يجزيهم على كل واحد جزاء أحسن عمل كان لهم، فيلحق ما دونه به توفيرا لأجرهم.
- {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} أي أن نفير الكافة عن أوطانهم لطلب العلم غير صحيح للإفضاء إلى المفسدة {فلولا نفر} فحين لم يكن نفير الكافة فهلا نفر {من كل فرقة منهم طائفة} من كل جماعة كثيرة جماعة قليلة منهم يكفونهم النفير {ليتفقهوا في الدين} ليتكلفوا الفقاهة فيه {ولينذروا قومهم} وليجعلوا مرمى همتهم في التفقه إنذار قومهم وإرشادهم {إذا رجعوا إليهم} دون الأغراض الخسيسة من التصدر والترؤس والتشبه بالظلمة في المراكب والملابس {لعلهم يحذرون} ما يجب اجتنابه، وقيل: إن رسول الله ﷺ كان إذا بعث بعثا بعد غزوة تبوك بعد ما أنزل في المتخلفين من الآيات الشداد استبق المؤمنون عن آخرهم إلى النفير وانقطعوا جميعا عن التفقه في الدين، فأمروا أن ينفر من كل فرقة منهم طائفة إلى الجهاد ويبقى سائرهم يتفقهون حتى لا ينقطعوا عن الفقه الذي هو الجهاد الأكبر، إذ الجهاد بالحجاج أعظم أثرا من الجهاد بالنضال.
- {يا أيها الذين ءامنوا قاتلوا الذين يلونكم} يقربون منكم {من الكفار} القتال واجب مع جميع الكفرة قريبهم وبعيدهم، ولكن الأقرب فالأقرب أوجب، وقد حارب النبي ﷺ قومه ثم غيرهم من عرب الحجاز، ثم الشام، والشام أقرب إلى المدينة من العراق وغيره {وليجدوا فيكم غلظة} شدة وعنفا في الـمقال قبل القتال {واعلموا أن الله مع المتقين} بالنصرة والغلبة([1]).
- {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم} فمن المنافقين {من يقول} بعضهم لبعض {أيكم زادته هذه} السورة {إيمانا} إنكارا واستهزاء بالمؤمنين {فأما الذين ءامنوا فزادتهم إيمانا} يقينا وثباتا {وهم يستبشرون} يعدون زيادة التكليف بشارة التشريف.
- {وأما الذين في قلوبهم مرض} شك ونفاق فهو فساد يحتاج إلى علاج كالفساد في البدن {فزادتهم رجسا إلى رجسهم} كفرا مضموما إلى كفرهم {وماتوا وهم كافرون} هو إخبار عن إصرارهم عليه إلى الموت.
- {أولا يرون} يعني المنافقين {أنهم يفتنون} يبتلون بالقحط والمرض وغيرهما {في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون} عن نفاقهم {ولا هم يذكرون} لا يعتبرون.
- {وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض} تغامزوا بالعيون إنكارا للوحي وسخرية به قائلين: {هل يراكم من أحد} من المسلمين؟ لننصرف فإنا لا نصبر على استماعه ويغلبنا الضحك فنخاف الافتضاح بينهم {ثم انصرفوا} عن حضرة النبي ﷺ مخافة الفضيحة {صرف الله قلوبهم} عن فهم القرءان {بأنهم} بسبب أنهم {قوم لا يفقهون} لا يتدبرون حتى يفقهوا.
- {لقد جاءكم رسول} محمد عليه الصلاة والسلام {من أنفسكم} من جنسكم ومن نسبكم عربي قرشي مثلكم {عزيز عليه ما عنتم} شديد عليه شاق – لكونه بعضا منكم- عنتكم ولقاؤكم المكروه، فهو يخاف عليكم الوقوع في العذاب {حريص عليكم} على إيمانكم {بالمؤمنين} منكم ومن غيركم {رؤوف رحيم}.
([1]) النصرة والغلبة قسمان: معنوي وحسي، فالمؤمنون هم المنتصرون دائما في المعنى ولو غلبوا من حيث الظاهر في الدنيا، فهم الغالبون معنى لأن الحق معهم.
- تفسير سورة التوبة من الآية مئة وواحد وعشرين إلى مئة وتسع وعشرين
