تفسير سورة التوبة من الآية مئة وواحد إلى مئة وعشرة
- تفسير سورة التوبة من الآية مئة وواحد إلى مئة وعشرة
وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم (101) وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم (102) خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم (103) ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم (104) وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (105) وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم (106) والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون (107) لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين (108) أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين (109) لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم (110) - {وممن حولكم} حول بلدتكم وهي المدينة {من الأعراب منافقون} وهم جهينة وأسلم وأشجع وغفار، وكانوا نازلين حولها {ومن أهل المدينة} قوم {مردوا على النفاق} تمهروا فيه {لا تعلمهم} يخفون عليك مع فطنتك وصدق فراستك {نحن نعلمهم} لا يعلمهم إلا الله {سنعذبهم مرتين} هما الفضيحة وعذاب القبر {ثم يردون إلى عذاب عظيم} عذاب النار.
- {وءاخرون} قوم ءاخرون سوى المذكورين {اعترفوا بذنوبهم} لم يعتذروا من تخلفهم بالمعاذير الكاذبة كغيرهم، ولكن اعترفوا على أنفسهم بأنهم بئس ما فعلوا نادمين، وكانوا عشرة، فسبعة منهم لـما بلغهم ما نزل في المتخلفين أوثقوا أنفسهم على سواري المسجد، فقدم رسول الله ﷺ فدخل المسجد فصلى ركعتين – وكانت عادته كلما قدم من سفر- فرءاهم موثقين، فسال عنهم، فذكر له أنهم أقسموا ألا يحلوا أنفسهم حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يحلهم، فقال: «وأنا أقسم ألا أحلهم حتى أومر فيهم»، فنزلت، فأطلقهم، فقالوا: يا رسول الله، هذه أموالنا التي خلفتنا عنك فتصدق بها وطهرنا، فقال: «ما أمرت أن ءاخذ من أموالكم شيئا» فنزل: {خذ من أموالهم صدقة}، {خلطوا عملا صالحا} خروجا إلى الجهاد [معك قبل هذه الغزوة] {وءاخر سيئا} تخلفا عنه [هذه المرة] {عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم} ولم يذكر توبتهم لأنه ذكر اعترافهم بذنوبهم، وهو دليل على التوبة.
- {خذ من أموالهم صدقة} كفارة لذنوبهم، وقيل: هي الزكاة {تطهرهم} عن الذنوب {وتزكيهم بها} بالصدقة، والتزكية مبالغة في التطهير وزيادة فيه، أو بمعنى الإنماء والبركة {وصل عليهم} واعطف عليهم بالدعاء لهم وترحم، والسنة أن يدعو الـمصدق([1]) لصاحب الصدقة إذا أخذها {إن صلاتك سكن لهم} يسكنون إليه وتطمئن قلوبهم بأن الله قد تاب عليهم {والله سميع} لدعائك {عليم} بما في ضمائرهم من الندم والغم لما فرط منهم.
- {ألم يعلموا} قبل أن يتاب عليهم وتقبل صدقاتهم {أن الله هو يقبل التوبة عن عباده} إذا صحت {ويأخذ الصدقات} ويقبلها إذا صدرت على خلوص النية، وهو للتخصيص، أي أن ذلك ليس إلى رسول الله ﷺ إنما الله هو الذي يقبل التوبة ويردها فاقصدوه بها ووجهوها إليه {وأن الله هو التواب} كثير قبول التوبة {الرحيم} بعفو الحوبة.
- {وقل} لهؤلاء التائبين {اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} فإن عملكم لا يخفى – خيرا كان أو شرا – على الله وعباده كما رأيتم وتبين لكم، أو غير التائبين ترغيبا لهم في التوبة {وستردون إلى عالم الغيب} ما يغيب عن الناس {والشهادة} ما يشاهدونه {فينبئكم بما كنتم تعملون} تنبئة تذكير ومجازاة عليه.
- {وءاخرون مرجون لأمر الله} أي وءاخرون من المتخلفين موقوفون إلى أن يظهر أمر الله فيهم {إما يعذبهم} إن أصروا ولم يتوبوا {وإما يتوب عليهم} إن تابوا، وهم ثلاثة: كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع تخلفوا عن غزوة تبوك [كسلا لا نفاقا، ثم اعتذروا عن تخلفهم لكنهم لم يبالغوا في التوبة والاعتذار كما فعل أبو لبابة – وهو أحد السبعة السابق ذكرهم- وأصحابه، فوقف أمرهم وهجرهم الناس خمسين يوما حتى ضاقت بهم الأرض بما رحبت وسلموا أمرهم لله فنزلت توبتهم] {والله عليم} برجائهم {حكيم} في إرجائهم.
- {والذين اتخذوا مسجدا} جازيناهم، روي أن بني عمرو بن عوف لم بنوا مسجد قباء بعثوا إلى رسول الله ﷺ أن يأتيهم، فأتاهم، فصلى فيه، فحسدتهم إخوانهم بنو غنم بن عوف، وقالوا: نبني مسجدا ونرسل إلى رسول الله يصلي فيه ويصلي فيه أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام، وهو الذي قال لرسول الله يوم أحد: لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم، فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين [وهرب بعدها إلى الشام]، فبنوا مسجدا إلى جنب مسجد قباء، وقالوا للنبي ﷺ: بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة، ونحن نحب أن تصلي لنا فيه، فقال: «إني على جناح سفر وإذا قدمنا من تبوك إن شاء الله صلينا فيه»، فلما قفل([2]) من غزوة تبوك سألوه إتيان المسجد، فنزلت عليه [فأمر بهدمه وإحراقه] {ضرارا} مضارة لأصحاب مسجد قباء {وكفرا} وتقوية للنفاق {وتفريقا بين المؤمنين} لأنهم كانوا يصلون مجتمعين في مسجد قباء، فأرادوا أن يتفرقوا عنه وتختلف كلمتهم {وإرصادا لمن} وإعدادا لأجل من {حارب الله ورسوله من قبل} وهو الراهب، قيل: وكل مسجد بني مباهاة أو رياء أو سمعة أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله أو بمال غير طيب فهو لاحق بمسجد الضرار {وليحلفن} كاذبين {إن أردنا إلا الحسنى} ما أردنا ببناء هذا المسجد إلا الخصلة الحسنى، وهي الصلاة وذكر الله والتوسعة على المصلين {والله يشهد إنهم لكاذبون} في حلفهم.
- {لا تقم فيه أبدا} للصلاة {لمسجد أسس على التقوى} هو مسجد قباء، أسسه رسول الله ﷺ، وصلى فيه أيام مقامه بقباء {من أول يوم} من أيام وجوده {أحق أن تقوم فيه} مصليا {فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين} هو عام في التطهر عن النجاسات كلها، وقيل: هو التطهر من الذنوب بالتوبة، ومعنى محبتهم للتطهر أنهم يؤثرونه ويحرصون([3]) عليه حرص الـمحب للشيء، ومعنى محبة الله إياهم أنه يرضى عنهم ويحسن إليهم كما يفعل الـمحب بمحبوبه.
- {أفمن أسس بنيانه} وضع أساس ما يبينه {على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار} أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة محكمة هي تقوى الله ورضوانه خير، أم من أسسه على قاعدة هي أضعف القواعد وهو الباطل والنفاق الذي مثله مثل شفا جرف هار في قلة الثبات والاستمساك، والشفا: الحرف، وجرف الوادي: جانبه، والهار: الهائر وهو المتصدع الذي أشفى على التهدم والسقوط {فانهار به في نار جهنم} فطاح به الباطل في نار جهنم {والله لا يهدي القوم الظالمين} لا يوفقهم للخير عقوبة لهم على نفاقهم.
{لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم} لا يزال هدمه سبب شك ونفاق زائد على شكهم ونفاقهم لما غاظهم من ذلك وعظم عليهم {إلا أن تقطع قلوبهم} قطعا وتفرق أجزاء فحينئذ يسلون عنه، وأما ما دامت سالمة مجتمعة فالريبة باقية فيها متمكنة {والله عليم} بعزائمهم {حكيم} في جزاء جرائمهم.
([1]) الـمصدق: هو الساعي الذي يأخذ الصدقات، أما الـمصدق فهو المتصدق، وهو دافع الزكاة.
- تفسير سورة التوبة من الآية مئة وواحد إلى مئة وعشرة
