تفسير سورة التحريم من الآية واحد إلى الآية عشرة
سورة التحريم
مدنية وهي اثنتا عشرة ءاية
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة التحريم من الآية واحد إلى الآية عشرة
يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم (1) قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم (2) وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير (3) إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير (4) عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا (5) يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (6) يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون (7) يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير (8) يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير (9) ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين (10)
{يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} [لم تمنع نفسك مما أحل الله لك، وليس معناه التحريم الذي يترتب عليه العقوبة في الآخرة، واختلف أهل العلم في الحلال الذي كان الله تعالى أحله له فمنع نفسه منه ابتغاء مرضاة أزواجه، فقال بعضهم: كان ذلك مارية مملوكته، أم ولده إبراهيم، حرمها على نفسه، قال: لا أقربها بعد الآن أبدا]، وروي أنه شرب عسلا في بيت زينب بنت جحش، [وكان يتردد إليها يشربه عندها، فغارت بعض نسائه، فتواصت] عائشة وحفصة [أن يذكرن له أن ريح ذلك العسل ليست بطيبة] وقالتا له: إنا نشم منك ريح المغافير([1])، وكان رسول الله ﷺ يكره التفل([2]) فحرم [على نفسه شربه – بمعنى منع نفسه من ذلك – وقال: لا أشربه بعد هذا] {تبتغي مرضات أزواجك} [تطييب خاطرهن] {والله غفور رحيم} [لا يلزمك ما ألزمت نفسك من منع نفسك من الحلال الذي أحله لك، بل يبيح ذلك لك، ويجعل لك منه المخرج] ([3]).
- {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} قدر الله لكم ما تحللون به أيمانكم، وهي الكفارة، أو شرع لكم تحليلها بالكفارة، أو شرع لكم الاستثناء في أيمانكم، وذلك أن يقول: إن شاء الله عقيبها حتى لا يحنث، وتحريم الحلال يمين عندنا([4])، وعن مقاتل: أن رسول الله ﷺ أعتق رقبة من تحريم مارية، وعن الحسن: أنه لم يكفر، وإنما هو تعليم للمؤمنين {والله مولاكم} سيدكم ومتولي أموركم {وهو العليم} بما يصلحكم فيشرعه لكم {الحكيم} فيما أحل وحرم.
- {وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه} حفصة {حديثا} حديث مارية، أو إمامة الشيخين [أبي بكر وعمر، أي أنهما يليان أمر أمته من بعده] {فلما نبأت به} أفشته إلى عائشة رضي الله عنهما {وأظهره الله عليه} وأطلع النبي ﷺ على إفشائها الحديث على لسان جبريل عليه السلام {عرف بعضه} أعلم [حفصة] ببعض الحديث [الذي أفشته] {وأعرض عن بعض} فلم يخبر به تكرما. روي أنه قال لها: «ألم أقل لك اكتمي علي؟» قالت: والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي فرحا بالكرامة التي خص الله بها أباها {فلما نبأها به} نبأ النبي حفصة بما أفشت من السر إلى عائشة {قالت} حفصة للنبي ﷺ: {من أنبأك هذا قال نبأني العليم} بالسرائر {الخبير} بالضمائر.
- {إن تتوبا إلى الله} خطاب لحفصة وعائشة على طريقة الالتفات ليكون أبلغ في معاتبتهما {فقد صغت} مالت {قلوبكما} عن الواجب في مخالصة رسول الله ﷺ من حب ما يحبه وكراهة ما يكرهه، [قيل: وذلك أنهما أحبا ما كره رسول الله ﷺ من اجتناب جاريته] {وإن تظاهرا عليه} إن تعاونا عليه بما يسوءه من الإفراط في الغيرة وإفشاء سره {فإن الله هو مولاه} وليه وناصره {وجبريل} أيضا وليه {وصالح المؤمنين} ومن صلح من المؤمنين {والملائكة} على تكاثر عددهم {بعد ذلك} بعد نصرة الله وجبريل وصالحي المؤمنين {ظهير} فوج مظاهر له، فما يبلغ تظاهر امرأتين على من هؤلاء ظهراؤه؟!.
ولما كانت مظاهرة الملائكة من جملة نصرة الله، قال بعد ذلك تعظيما لنصرتهم ومظاهرتهم:
- {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن} فإن قلت: كيف تكون الـمبدلات خيرا منهن ولم يكن على وجه الأرض نساء خير من أمهات المؤمنين؟ قلت: إذا طلقهن رسول الله ﷺ لإيذائهن إياه لم يبقين على تلك الصفة، وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف خيرا منهن {مسلمات مؤمنات} مقرات مخلصات {قانتات} مطيعات {تائبات} من الذنوب، أو راجعات إلى الله وإلى أمر رسوله {عابدات} [كثيرات العبادة بالنوافل] {سائحات} مهاجرات، أو صائمات، وقيل للصائم سائح، لأن السائح لا زاد معه فلا يزال ممسكا إلى أن يجد ما يطعمه، فشبه به الصائم في إمساكه إلى أن يجيء وقت إفطاره {ثيبات وأبكارا} [منهن ثيب ومنهن بكر].
- {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم} بترك المعاصي وفعل الطاعات {وأهليكم} بأن تأخذوهم بما تأخذون به أنفسكم {نارا وقودها الناس والحجارة} تتقد بالناس والحجارة كما يتقد غيرها من النيران بالحطب {عليها} يلي أمرها وتعذيب أهلها {ملائكة} يعني: الزبانية التسعة عشر وأعوانهم {غلاظ شداد} في أجرامهم غلظة وشدة، أو غلاظ الأقوال، شداد الأفعال {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} وليست الجملتان في معنى واحد، إذ معنى الأولى أنهم يتقبلون أوامره ويلتزمونها، ومعنى الثانية أنهم يؤدون ما يؤمرون به لا يتثاقلون عنه ولا يتوانون فيه.
- {يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون} في الدنيا، أي يقال لهم ذلك عند دخولهم النار: لا تعتذروا، لأنه لا عذر لكم، أو لأنه لا ينفعكم الاعتذار ذلك اليوم، [وهو تنبيه لهم ليتوبوا ويعتذروا قبل أن يدركهم الموت].
- {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا} صادقة، وقيل: خالصة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هي الاستغفار باللسان والندم بالجنان والإقلاع بالأركان، [وقيل: ألا يعود صاحبها لذلك الذنب الذي يتوب منه] {عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار} [عسى صيغة إطماع ومن الله تعالى بمعنى التحقيق، وذكر لفظ الإطماع دون التحقيق إشعارا بأنه تفضل وبأن التوبة غير موجبة، ولتعليق القلب بحسن الرجاء، وأن العبد ينبغي أن يكون بين خوف ورجاء] {يوم لا يخزي الله النبي والذين ءامنوا معه} فيه تعريض بمن أخزاهم الله من أهل الكفر {نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم}، [يؤتى السعداء صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ووراء ظهورهم، فيجعل النور للمؤمنين في هاتين الجهتين شعارا لهم وءاية، فإذا ذهب بهم إلى الجنة ومروا على الصراط سعى ذلك النور بسعيهم] {يقولون ربنا أتمم لنا نورنا} يقولون ذلك إذا انطفأ نور المنافقين، [أي: أبقه لنا حتى نجوز الصراط ونهتدي إلى الجنة] {واغفر لنا إنك على كل شيء قدير} [من إتمام النور، ومغفرة الذنوب وتبليغ الجنة، وكل شيء].
- {يا أيها النبي جاهد الكفار} بالسيف {والمنافقين} بالقول الغليظ والوعد البليغ {واغلظ عليهم} على الفريقين فيما تجاهدهما به من القتال والـمحاجة باللسان {ومأواهم جهنم وبئس المصير} [وبئس الموضع الذي يصيرون إليه جهنم].
- {ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين} مثل الله عز وجل حال الكفار في أنهم يعاقبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين بلا محاباة، ولا ينفعهم مع عداوتهم لهم ما كان بينهم وبينهم من النسب والمصاهرة، وإن كان المؤمن الذي يتصل به الكافر نبيا بحال امرأة نوح وامرأة لوط خانتا الرسولين [بكفرهما، وقيل: بالنفاق] لم يغن الرسولان عنهما، أي: عن المرأتين بحق ما بينهما وبينهما من الزواج إغناء ما من عذاب الله، وقيل لهما عند موتهما، أو يوم القيامة: ادخلا النار مع سائر الداخلين الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء.
{وضرب الله مثلا للذين ءامنوا امرأة فرعون} هي ءاسية بنت مزاحم ءامنت بموسى فعذبها فرعون بالأوتاد الأربعة([5]) {إذ قالت} وهي تعذب: {رب ابن لي عندك بيتا في الجنة} فكأنها أرادت الدرجة العالية لأنه تعالى منزه عن المكان فعبرت عنها بقولها: عندك {ونجني من فرعون وعمله} من نفس فرعون الخبيثة وخصوصا من عمله، وهو الكفر والظلم والتعذيب بغير جرم {ونجني من القوم الظالمين} من القبط كلهم، وفيه دليل على أن الاستعاذة بالله والالتجاء إليه [وسؤاله تعالى] الخلاص عند الـمحن والنوازل من سير الصالحين.
([1]) المغافير: صمغ شجر معروف طعمه حلو وله رائحة كريهة.
([3]) الرسول عليه الصلاة والسلام لم يحرمه على نفسه وعلى غيره، حرمه على نفسه على معنى أنه لا يفعله، أي: يقطع نفسه عنه بعد هذا.
([4]) من قال لامرأته: أنت علي حرام، عند الشافعي إن نوى الطلاق فهو طلاق، وإن لم ينو الطلاق عليه كفارة – مثل كفارة اليمين – أما في نحو الأكل والشرب فلا، كأن قلا: حرمت علي الشاي ونحو ذلك فليس فيه كفارة. ولم يثبت أن الرسول ﷺ كفر.
([5]) قيل: كان فرعون يتد أربعة أوتاد يشد إليها يدي ورجلي من يعذبه.
