تفسير سورة البقرة من الآية مئتين وواحد وسبعين إلى مئتين وثمانين
- تفسير سورة البقرة من الآية مئتين وواحد وسبعين إلى مئتين وثمانين
إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير (271) ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون (272) للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم (273) الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (274) الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (275) يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم (276) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (277) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (278) فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون (279) وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون (280) - {ليس عليك هداهم} ليس عليك التوفيق على الهدى، أو خلق الهدى إلى الانتهاء عما نهوا عنه من الـمن والأذى والإنفاق من الخبيث وغير ذلك، وما عليك إلا أن تبلغهم النواهي فحسب {ولكن الله يهدي من يشاء} وإنما ذلك إلى الله {وما تنفقوا من خير} من مال {فلأنفسكم} فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيركم، فلا تمنوا به على الناس ولا تؤذوهم بالتطاول عليهم {وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله} وليست نفقتكم إلا ابتغاء وجه الله أي رضا الله، ولطلب ما عنده، فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى الله، أو هذا نفي معناه النهي أي ولا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله {وما تنفقوا من خير يوف إليكم} ثوابه أضعافا مضاعفة، فلا عذر لكم في أن ترغبوا عن إنفاقه وأن يكون على أحسن الوجوه وأجملها {وأنتم لا تظلمون} ولا تنقصون.
- {للفقراء} اعمدوا للفقراء، أو هذه الصدقات للفقراء {الذين أحصروا في سبيل الله} هم الذين أحصرهم الجهاد فمنعهم من التصرف {لا يستطيعون} لاشتغالهم به {ضربا في الأرض} للكسب، وقيل: هم أصحاب الصفة، وهم نحو من أربعمائة رجل من مهاجري قريش، لم تكن لهم مساكن في المدينة ولا عشائر، فكانوا في صفة المسجد – وهي سقيفته – يتعلمون القرءان بالليل ويرضخون النوى([1]) بالنهار، وكانوا يخرجون في كل سرية بعثها رسول الله ﷺ فمن كان عنده فضل([2]) أتاهم به إذا أمسى{يحسبهم الجاهل} بحالهم {أغنياء من التعفف} مستغنين من أجل تعففهم عن المسألة {تعرفهم بسيماهم} من صفرة الوجوه ورثاثة الحال {لا يسألون الناس إلحافا} إلحاحا، إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحوا {وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم} لا يضيع عنده.
- {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية} مسرين ومعلنين، يعني يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة لحرصهم على الخير، فكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروه، ولم يتعللوا بوقت ولا حال، وقيل: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين تصدق بأربعين ألف دينار، عشرة بالليل وعشرة بالنهار، وعشرة في السر وعشرة ي العلانية، أو في علي رضي الله عنه لم يملك إلا أربعة دراهم تصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا، وبدرهم سرا وبدرهم علانية {فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.
- {الذين يأكلون الربا} هو فضل مال خال عن العوض في معاوضة مال بمال {لا يقومون} إذا بعثوا من قبورهم {إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان} أي المصروع، لأنه تخبط في المعاملة فجوزي على المقابلة، والخبط: الضرب على غير استواء كخبط العشواء([3]) {من المس} من الجنون، والمعنى أنهم يقومون يوم القيامة مخبلين كالمصروعين، تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف، وقيل: الذين يخرجون من الأجداث يوفضون([4]) إلا أكلة الربا، فإنهم ينهضون ويسقطون كالمصروعين لأنهم أكلوا الربا فأرباه الله في بطونهم حتى أثقلهم فلا يقدرون على الإيفاض {ذلك} العقاب {بأنهم} بسبب أنهم {قالوا إنما البيع مثل الربا} قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلا وقانونا في الحل حتى شبهوا به البيع {وأحل الله البيع وحرم الربا} إنكار لتسويتهم بينهما، إذ الحل مع الحرمة ضدان، فأنى يتماثلان {فمن جاءه موعظة من ربه} فمن بلغه وعظ من الله، وزجر بالنهي عن الربا {فانتهى} فتبع النهي وامتنع {فله ما سلف} فلا يؤاخذ بما مضى منه، لأنه أخذ قبل نزول التحريم {وأمره إلى الله} يحكم في شأنه يوم القيامة، وليس من أمره إليكم شيء([5])، فلا تطالبوه به {ومن عاد} إلى الربا مستحلا {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} لأنهم بالاستحلال صاروا كافرين، لأن من أحل ما حرم الله عز وجل فهو كافر، فلذا استحق الخلود.
- {يمحق الله الربا} يذهب ببركته ويهلك المال الذي يدخل فيه {ويربي الصدقات} ينميها ويزيدها أي يزيد المال الذي أخرجت منه الصدقة ويبارك فيه {والله لا يحب كل كفار} عظيم الكفر باستحلال الربا {أثيم} متماد في الإثم بأكله.
- {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} قيل: المراد به الذين ءامنوا بتحريم الربا.
- {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا} أخذوا ما شرطوا على الناس من الربا وبقيت لهم بقايا، فأمروا أن يتركوها ولا يطالبوا بها. روي أنها نزلت في ثقيف، وكان لهم على قوم من قريش مال فطالبوهم عند الـمحل([6]) بالمال والربا {إن كنتم مؤمنين} كاملي الإيمان، فإن دليل كماله امتثال المأمور به.
- {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} فاعلموا بها، من أذن بالشيء إذا علم به، أي فأذنوا بنوع من الحرب عظيم من عند الله ورسوله، وروي أنها لما نزلت قالت ثقيف: لا طاقة لنا بحرب الله ورسوله {وإن تبتم} من الارتباء([7]) {فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون} الـمديونين بطلب الزيادة عليها {ولا تظلمون} بالنقصان منها.
- {وإن كان ذو عسرة} وإن وقع غريم من غرمائكم ذو إعسار {فنظرة} أي إنظار {إلى ميسرة} يسار {وأن تصدقوا} تتصدقوا برؤوس أموالكم أو ببعضها على من أعسر من غرمائكم {خير لكم} في القيامة {إن كنتم تعلمون} أنه خير لكم فتعملوا به.
([1]) أي: يكسرونها ويأخذون أجرة على ذلك.
([3]) العشواء في الـمثل: هي الناقة الضعيفة البصر التي لا تبصر أمامها فتضرب بيديها إذا مشت لا تتوقى شيئا.
([4]) يوفضون: من وفض، عدا وأسرع، والأجداث: القبور.
([5]) فإن توبته لا يعلم حقيقتها إلا هو، فيغفر له أو يعذبه على حسب ذلك.
- تفسير سورة البقرة من الآية مئتين وواحد وسبعين إلى مئتين وثمانين
