تفسير سورة البقرة من الآية مئتين وواحد وستين إلى مئتين وسبعين
- تفسير سورة البقرة من الآية مئتين وواحد وستين إلى مئتين وسبعين
مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم (261) الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (262) قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم (263) يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين (264) ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير (265) أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (266) يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد (267) الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم (268) يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب (269) وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من أنصار (270) - {الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا} هو أن يعتد على من أحسن إليه بإحسانه ويريه أنه اصطنعه وأوجب عليه حقا له، وكانوا يقولون: إذا صنعتم صنيعة فانسوها {ولا أذى} هو أن يتطاول عليه بسب ما أعطاه {لهم أجرهم عند ربهم} أي ثواب إنفاقهم {ولا خوف عليهم} من بخس الأجر {ولا هم يحزنون} من فوته، أو لا خوف من العذاب ولا حزن بفوت الثواب.
- {قول معروف} رد جميل {ومغفرة} وعفو عن السائل إذا وجد منه ما يثقل على المسؤول، أو ونيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل {خير من صدقة يتبعها أذى} [أي الرد الجميل بالمعروف خير من أن تتصدق وتمن وتؤذي] {والله غني} لا حاجة له إلى منفق يمن ويؤذي {حليم} عن معاجلته بالعقوبة، وهذا وعيد له، ثم أكد ذلك بقوله:
- {يا أيها الذين ءامنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي} مثل إبطال الذي {ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر} لا تبطلوا ثواب صدقاتكم بالـمن والأذى كإبطال المنافق الذي ينفق ماله رئاء الناس، ولا يريد بإنفاقه رضا الله ولا ثواب الآخرة {فمثله كمثل صفوان عليه تراب} مثله ونفقته التي لا ينتفع بها ألبتة بحجر أملس عليه تراب {فأصابه وابل} مطر عظيم القطر {فتركه صلدا} أجرد نقيا من التراب الذي كان عليه {لا يقدرون على شيء مما كسبوا} لا يجدون ثواب شيء مما أنفقوا {والله لا يهدي القوم الكافرين} ما داموا مختارين الكفر.
- {ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم} وتصديقا للإسلام وتحقيقا للجزاء من أصل أنفسهم، لأنه إذا أنفق المسلم ماله في سبيل الله علم أن تصديقه وإيمانه بالثواب من أصل نفسه ومن إخلاص قلبه، والمعنى: ومثل نفقة هؤلاء في زكاتها عند الله {كمثل جنة} بستان {بربوة} مكان مرتفع، وخصها لأن الشجر فيها أزكى وأحسن ثمرا {أصابها وابل فآتت أكلها} ثمرتها {ضعفين} مثلي ما كانت تثمر قبل بسبب الوابل {فإن لم يصبها وابل فطل} فمطر صغير القطر يكفيها لكرم منبتها، وكما أن كل واحد من الـمطرين يضعف أكل الجنة، فكذلك نفقتهم كثيرة كانت أو قليلة بعد أن يطلب بها رضا الله تعالى زاكية عند الله زائدة في زلفاهم([1]) وحسن حالهم عنده {والله بما تعملون بصير}([2]) يرى أعمالكم على إكثار وإقلال، ويعلم نياتكم فيهما من رياء وإخلاص.
- الهمزة في {أيود أحدكم} للإنكار {أن تكون له جنة} بستان {من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له} لصاحب البستان {فيها} في الجنة {من كل الثمرات} يريد بالثمرات المنافع التي كانت تحصل له فيها، أو أن النخيل والأعناب لـما كانا أكرم الشجر وأكثرها منافع خصهما بالذكر وجعل الجنة منهما وإن كانت محتوية على سائر الأشجار تغليبا لهما على غيرهما، ثم أردفهما ذكر كل الثمرات {وأصابه الكبر} معناه أن تكون له جنة وقد أصابه الكبر {وله ذرية ضعفاء} أولاد صغار {فأصابها إعصار} ريح تستدير في الأرض ثم تسطع([3]) نحو السماء كالعمود {فيه نار} [في الإعصار نار] {فاحترقت} الجنة [أي: البستان]، وهذا مثل لمن يعمل الأعمال الحسنة رياء، فإذا كان يوم القيامة وجدها محبطة، فيتحسر عند ذلك حسرة من كانت له جنة جامعة للثمار فبلغ الكبر وله أولاد ضعاف، والجنة معاشهم، فهلكت بالصاعقة {كذلك} كهذا البيان الذي بين فيما تقدم {يبين الله لكم الآيات} في التوحيد والدين {لعلكم تتفكرون} فتنتبهوا.
- {يا أيها الذين ءامنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم} من جياد مكسوباتهم، وفيه دليل وجوب الزكاة في أموال التجارة {ومما أخرجنا لكم من الأرض} من الحب والثمر والمعادن وغيرها {ولا تيمموا الخبيث} ولا تقصدوا المال الرديء {منه تنفقون} تخصونه بالإنفاق، {ولستم بآخذيه} وحالكم أنكم لا تأخذونه في حقوقكم([4]) {إلا أن تغمضوا فيه} إلا بأن تتسامحوا في أخذه وتترخصوا فيه، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كانوا يتصدقون بحشف التمر([5]) وشراره فنهوا عنه {واعلموا أن الله غني} عن صدقاتكم {حميد} مستحق للحمد أو محمود.
- {الشيطان يعدكم} في الإنفاق {الفقر} ويقول لكم: إن عاقبة إنفاقكم أن تفتقروا، والوعد يستعمل في الخير والشر {ويأمركم بالفحشاء} ويغريكم على البخل ومنع الصدقات إغراء الآمر للمأمور، والفاحش عند العرب البخيل {والله يعدكم} في الإنفاق {مغفرة منه} لذنوبكم وكفارة لها {وفضلا} وأن يخلف عليكم أفضل مما أنفقتم، أو وثوابا عليه في الآخرة {والله واسع} يوسع على من يشاء {عليم} بأفعالكم ونياتكم.
- {يؤتي الحكمة من يشاء} علم القرءان والسنة، أو العلم النافع الـموصل إلى رضا الله والعمل به، والحكيم عند الله هو العالـم العامل {ومن يؤت الحكمة} ومن يؤته الله الحكمة {فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب} وما يتعظ بمواعظ الله إلا ذوو العقول السليمة، أو العلماء العمال، والمراد به الحث على العمل بما تضمنت الآي في معنى الإنفاق.
- {وما أنفقتم من نفقة} في سبيل الله، أو في سبيل الشيطان {أو نذرتم من نذر} في طاعة الله أو في معصيته {فإن الله يعلمه} لا يخفى عليه، وهو مجازيكم عليه {وما للظالمين} الذين يمنعون الصدقات، أو ينفقون أموالهم في المعاصي، أو ينذرون في المعاصي، أو لا يفون بالنذور {من أنصار} ممن ينصرهم من الله ويمنعهم من عقابه.
([2]) هذه الجملة دليل على أن الله تعالى يرى الأجسام والمعاني، وهو مذهب الأشاعرة، أي أن الله يرى كل موجود.
([4]) أي: إن كان لكم حق على أحد في جنسه لا تأخذونه بما لكم عليه.
([5]) حشف التمر: اليابس الفاسد منه الذي لا طعم ولا حلاوة له.
- تفسير سورة البقرة من الآية مئتين وواحد وستين إلى مئتين وسبعين
