تفسير سورة البقرة من الآية مئتين وواحد وثلاثين إلى مئتين وأربعين
- تفسير سورة البقرة من الآية مئتين وواحد وثلاثين إلى مئتين وأربعين
وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم (231) وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون (232) والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير (233) والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير (234) ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم (235) لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين (236) وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير (237) حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين (238) فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون (239) والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم (240) - {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن} انقضت عدتهن، فدل سياق الكلامين على افتراق البلوغين، لأن النكاح يعقبه هنا، وذا يكون بعد العدة وفي الأولى الرجعة، وذا يكون في العدة {فلا تعضلوهن} فلا تمنعوهن، العضل: المنع والتضييق {أن ينكحن أزواجهن} الذين يرغبن فيهم، والخطاب للأزواج الذين يعضلون نساءهم بعد انقضاء العدة ظلما، ولا يتركونهن يتزوجن {إذا تراضوا بينهم} إذا تراضى الخطاب والنساء {بالمعروف} بما يحسن في الدين والـمروءة من الشرائط، أو بمهر الـمثل والكفء. والخطاب في {ذلك} للنبي ﷺ أو لكل أحد {يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر} فالموعظة إنما تنجع([1]) فيهم {ذلكم} أي ترك العضل والضرار {أزكى لكم وأطهر} لكم من أدناس الآثام، أو أزكى وأطهر أفضل وأطيب {والله يعلم} ما في ذلك من الزكاة والطهر {وأنتم لا تعلمون} ذلك.
- {والوالدات يرضعن أولادهن} خبر في معنى الأمر المؤكد، وهذا الأمر على وجه الندب {حولين كاملين} تامين {لمن أراد أن يتم الرضاعة} لمن أراد إتمام الرضاعة، والحاصل أن الأب يجب عليه إرضاع ولده دون الأم، وعليه أن يتخذ له ظئرا([2]) إلا إذا تطوعت الأم بإرضاعه، وهي مندوبة إلى ذلك ولا تجبر عليه {وعلى المولود له} وعلى الذي يولد له وهو الوالد {رزقهن وكسوتهن بالمعروف} بلا إسراف ولا تقتير، وتفسيره ما يعقبه وهو ألا يكلف واحد منهما ما ليس في وسعه ولا يتضارا {لا تكلف نفس إلا وسعها} وجدها أو قدر إمكانها {لا تضار والدة بولدها} لا تضار والدة زوجها بسبب ولدها، وهو أن تعنف به وتطلب منه ما ليس بعدل من الرزق والكسوة، وأن تشغل قلبه بالتفريط في شأن الولد، وأن تقول بعدما ألفها الصبي: اطلب له ظئرا، وما أشبه ذلك {ولا مولود له بولده} ولا يضار مولود له امرأته بسبب ولده بأن يمنعها شيئا مما وجب عليه من رزقها وكسوتها، أو يأخذه منها، وهي تريد إرضاعه {وعلى الوارث} وعلى وارث الصبي عند عدم الأب {مثل ذلك} مثل الذي كان على أبيه في حياته من الرزق والكسوة {فإن أرادا} يعني الأبوين {فصالا} فطاما صادرا {عن تراض منهما وتشاور} بينهما {فلا جناح عليهما} في ذلك زادا على الحولين أو نقصا، وهذه توسعة بعد التحديد، ليكون التراضي عن تفكر فلا يضر الرضيع، فسبحان الذي أدب الكبير ولم يهمل الصغير، واعتبر اتفاقهما لأن للأب النسبة والولاية وللأم الشفقة والعناية {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم} أن تسترضعوا الـمراضع أولادكم يعني غير الأم عند إبائها أو عجزها {فلا جناح عليكم إذا سلمتم} إلى الـمراضع {ما ءاتيتم} ما أردتم إيتاءه من الأجرة، والتسليم ندب لا شرط للجواز {بالمعروف} أي سلمتم الأجرة إلى الـمراضع بطيب نفس وسرور {واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير} لا تخفى عليه أعمالكم فهو يجازيكم عليها.
- {والذين يتوفون منكم} تقول توفيت الشيء واستوفيته إذا أخذته وافيا تاما، أي تستوفى أرواحهم {ويذرون} ويتركون {أزواجا يتربصن بأنفسهن} أي وزوجات الذين يتوفون منكم يتربصن أي يعتددن، أو معناه يتربصن بعدهم بأنفسهن {أربعة أشهر وعشرا} أي وعشر ليال والأيام داخلة معها {فإذا بلغن أجلهن} فإذا انقضت عدتهن {فلا جناح عليكم} أيها الأئمة والحكام {فيما فعلن في أنفسهن} من التعرض للخطاب {بالمعروف} بالوجه الذي لا ينكره الشرع {والله بما تعملون خبير} عالم بالبواطن.
- {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} الخطبة الاستنكاح، والتعريض أن يقول لها: إنك لجميلة أو صالحة، ومن غرضي أن أتزوج، ونحو ذلك من الكلام الـموهم أنه يريد نكاحها حتى تحبس نفسها عليه إن رغبت فيه، ولا يصرح بالنكاح فلا يقول: إني أريد أن أتزوجك، والفرق بين الكناية والتعريض أن الكناية أن تذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له، والتعريض أن تذكر شيئا تدل به على شيء لم تذكره {أو أكننتم في أنفسكم} أو سترتم وأضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه بألسنتكم لا معرضين ولا مصرحين {علم الله أنكم ستذكرونهن} لا محالة ولا تنفكون عن النطق برغبتكم فيهن، فاذكروهن {ولكن لا تواعدوهن سرا} جماعا، لأنه مما يسر، أي لا تقولوا في العدة: إني قادر على هذا العمل {إلا أن تقولوا قولا معروفا} وهو أن تعرضوا ولا تصرحوا أي لا تواعدوهن مواعدة قط إلا مواعدة معروفة غير منكرة {ولا تعزموا عقدة النكاح} أي ولا تعزموا على عقدة النكاح {حتى يبلغ الكتاب أجله} حتى تنقضي عدتها، وسميت العدة كتابا لأنها فرضت بالكتاب، يعني حتى يبلغ التربص المكتوب عليها أجله أي غايته {واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم} من العزم على ما لا يجوز {فاحذروه} ولا تعزموا عليه {واعلموا أن الله غفور حليم} لا يعاجلكم بالعقوبة.
ونزل فيمن طلق امرأته ولم يكن سمى لها مهرا ولا جامعها:
- {لا جناح عليكم} لا تبعة عليكم من إيجاب مهر {إن طلقتم النساء} والتقدير: إن طلقتم النساء فلا جناح عليكم {ما لم تمسوهن} ما لم تجامعوهن {أو تفرضوا لهن فريضة} إلا أن تفرضوا لهن فريضة، أو حتى تفرضوا، وفرض الفريضة تسمية المهر، وذلك أن المطلقة غير الموطوءة لها نصف الـمسمى إن سمي لها مهر، وإن لم يسم لها مهر فليس لها نصف مهر الـمثل بل تجب الـمتعة {ومتعوهن} فطلقوهن ومتعوهن، والـمتعة درع وملحفة وخمار {على الموسع} الذ له سعة {قدره} مقداره الذي يطيقه {وعلى المقتر} الضيق الحال {قدره} ولا تجب المتعة عندنا إلا لهذه وتستحب لسائر الـمطلقات {متاعا} تمتيعا {بالمعروف} بالوجه الذي يحسن في الشرع والمروءة {حقا} متاعا واجبا عليهم أو حق ذلك حقا {على المحسنين} على المسلمين، أو على الذين يحسنون إلى الـمطلقات بالتمتيع، وسماهم قبل الفعل محسنين كقوله عليه الصلاة والسلام: «من قتل قتيلا فله سلبه» متفق عليه. وليس هذا الإحسان هو التبرع بما ليس عليه إذ هذه المتعة واجبة.
ثم بين حكم التي سمى لها مهرا في الطلاق قبل المس فقال:
- {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} من قبل مسكم إياهن {وقد فرضتم لهن فريضة} مهرا {فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون} فعليكم نصف ما فرضتم في جميع الأوقات إلا وقت عفوهن عنكم من المهر {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} هو الزوج، وهذا لأن الطلاق بيده فكان بقاء العقد بيده، والمعنى أن الواجب شرعا هو النصف إلا أن تسقط هي الكل أو يعطي هو الكل تفضلا {وأن تعفوا أقرب للتقوى} الخطاب للأزواج والزوجات على سبيل التغليب، أي عفو الزوج بإعطاء كل المهر خير له، وعفو المرأة بإسقاط كله خير لها أو للأزواج {ولا تنسوا الفضل} التفضل {بينكم} ولا تنسوا أن يتفضل بعضكم على بعض {إن الله بما تعملون بصير} فيجازيكم على تفضلكم.
- {حافظوا على الصلوات} داوموا عليها بمواقيتها وأركانها وشرائطها {والصلاة الوسطى} أي الفضلى وهي صلاة العصر لقوله عليه الصلاة والسلام يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم نارا»، ولأنها بين صلاتي الليل وصلاتي النهار، وفضلها لما في وقتها من اشتغال الناس بتجاراتهم ومعايشهم {وقوموا لله} في الصلاة {قانتين} مطيعين خاشعين.
- {فإن خفتم} فإن كان بكم خوف من عدو أو غيره {فرجالا} فصلوا راجلين، وهو جمع راجل([3]) {أو ركبانا} [وهو جمع راكب، أي على الخيل والإبل ونحوها] وحدانا بإيماء([4])، ويسقط عنهم التوجه إلى القبلة {فإذا أمنتم} فإذا زال خوفكم {فاذكروا الله} فصلوا صلاة الأمن {كما علمكم} أي ذكرا مثل ما علمكم {ما لم تكونوا تعلمون} من صلاة الأمن.
- {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم} فليوصوا وصية {متاعا} متعهن متاعا {إلى الحول غير إخراج} المعنى أن حق الذين يتوفون عن أزواجهم أن يوصوا قبل أن يحتضروا بأن تمتع أزواجهم بعدهم حولا كاملا، أي ينفق عليهن من تركته ولا يخرجن من مساكنهن، وكان ذلك مشروعا في أول الإسلام ثم نسخ بقوله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا} إلى قوله: {أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234]. والناسخ متقدم عليه تلاوة ومتأخر نزولا {فإن خرجن} بعد الحول {فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن} من التزين والتعرض للخطاب {من معروف} مما ليس بمنكر شرعا {والله عزيز حكيم} فيما حكم.
([2]) الظئر: المرضعة لولد غيرها.
([3]) وهو القائم على الرجل، ويجوز لهم أداؤها جماعة.
([4]) وحدانا أي: فرادى لا في جماعة، وإيماء أي للركوع والسجود ولكن للسجود أخفض من الركوع.
- تفسير سورة البقرة من الآية مئتين وواحد وثلاثين إلى مئتين وأربعين
