تفسير سورة البقرة من الآية مئتين وواحد وعشرين إلى مئتين وثلاثين
تفسير سورة البقرة من الآية مئتين وواحد وعشرين إلى مئتين وثلاثين
ولما سأل مرثد([1]) النبي ﷺ على أن يتزوج عناق([2])، وكانت مشركة نزل:
ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون (221) ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين (222) نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين (223) ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم (224) لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم (225) للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم (226) وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم (227) والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم (228) الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون (229) فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون (230)
{ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} لا تتزوجوهن {ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم} ولو كان الحال أن المشركة تعجبكم وتحبونها {ولا تنكحوا المشركين} ولا تزوجوهم بمسلمة {حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم} ثم بين علة ذلك فقال: {أولئك} إشارة إلى المشركات والمشركين {يدعون إلى النار} إلى الكفر الذي هو عمل أهل النار، فحقهم ألا يوالوا ولا يصاهروا {والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه} بأمره [أو بإرادته وتيسيره] {ويبين ءاياته للناس لعلهم يتذكرون} يتعظون.كانت العرب لم يؤاكلوا الحائض لم يشاربوها ولم يساكنوها كفعل اليهود والمجوس، فسأل أبو الدحداح([3]) رسول الله ﷺ عن ذلك، وقال: يا رسول الله، كيف نصنع بالنساء إذا حضن؟ فنزل:
- {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى} الـمحيض شيء يستقذر ويؤذي من يقـربه {فاعتزلوا النساء في المحيض} فاجتنبوا مجامعتهن، وقيل: إن النصارى كانوا يجامعونهن ولا يبالون بالحيض، واليهود كانوا يعتزلونهن في كل شيء فأمر الله بالاقتصاد بين الأمرين {ولا تقربوهن} لا تقربوا مجامعتهن {حتى يطهرن} [بتشديد الطاء والهاء والفتح أي: يطهرن] كوفي غير حفص، أي يغتسلن، غيرهم {يطهرن} أي: ينقطع دمهن {فإذا تطهرن فأتوهن} فجامعوهن {من حيث أمركم الله} من الـمأتى الذي أمركم الله به وحلله لكم وهو القبل {إن الله يحب التوابين} من ارتكاب ما نهوا عنه {ويحب المتطهرين} بالماء، أو المتنزهين من أدبار النساء، أو من الجماع في الحيض، أو من الفواحش.
كان اليهود يقولون: إذا أتى الرجل أهله باركة أتى الولد أحول، فنزل:
- {نساؤكم حرث لكم} مواضع حرث لكم، وهذا مجاز شبهن بالمحارث تشبيها لما يلقى في أرحامهن من النطف التي منها النسل بالبذور والولد بالنبات، ووقع قوله: {نساؤكم حرث لكم} بيانا وتوضيحا لقوله: {فأتوهن من حيث أمركم الله} [البقرة: 222]. أي إن الـمأتى الذي أمركم الله به هو مكان الحرث لا مكان الفرث([4])، تنبيها على أن المطلوب الأصلي في الإتيان هو طلب النسل لا قضاء الشهوة، فلا تأتوهن إلا من المأتى الذي نيط([5]) به هذا المطلوب {فأتوا حرثكم أنى شئتم} جامعوهن متى شئتم أو كيف شئتم، باركة أو مستلقية أو مضطجعة، بعد أن يكون المأتى واحدا وهو موضع الحرث، وهو تمثيل، أي فأتوهن كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة شئتم {وقدموا لأنفسكم} ما يجب تقديمه من الأعمال الصالحة، أو هو التسمية على الوطء {واتقوا الله} فلا تجترئوا على المناهي {واعلموا أنكم ملاقوه} صائرون إليه فاستعدوا للقائه {وبشر المؤمنين} بالثواب يا محمد.
- {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} كان الرجل يحلف على بعض الخيرات من صلة رحم أو إصلاح ذات بين أو إحسان إلى أحد أو عبادة، ثم يقول: أخاف الله أن أحنث في يميني فيترك البر إرادة البر في يمينه، فقيل له: ولا تجعلوا الله [أي: الحلف به] حاجزا لما حلفتم عليه، وسمي المحلوف عليه يمينا لتلبسه باليمين كقوله عليه الصلاة والسلام: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه» {أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس} للأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى والإصلاح بين الناس {والله سميع} لأيمانكم {عليم} بنياتكم.
- {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} اللغو: الساقط الذي لا يعتد به من كلام وغيره، ولغو اليمين: الساقط الذي لا يعتد به في الأيمان، وهو أن يحلف على شيء يظنه على ما حلف عليه، والأمر بخلافه، والمعنى لا يعاقبكم بلغو اليمين الذي يحلفه أحدكم، وعند الشافعي رحمه الله هو ما يجري على لسانه من غير قصد للحلف نحو: لا والله وبلى والله {ولكن يؤاخذكم} ولكن يعاقبكم {بما كسبت قلوبكم} بما اقترفته من إثم القصد إلى الكذب في اليمين، وهو أن يحلف على ما يعلم أنه خلاف ما يقوله، وهو اليمين الغموس {والله غفور حليم} حيث لم يؤاخذكم باللغو في أيمانكم.
- {للذين يؤلون من نسائهم} يقسمون [ألا يجامعوهن] {تربص أربعة أشهر} ترقب أربعة أشهر فإن فاءوا} رجعوا إلى الوطء عن الإصرار بتركه {فإن الله غفور رحيم} حيث شرع الكفارة.
- {وإن عزموا الطلاق} بترك الفيء فتربصوا إلى مضي المدة {فإن الله سميع} لإيلائه {عليم} بنيته، وهو وعيد على إصرارهم وتركهم الفيئة.
- {والمطلقات} أراد المدخول بهن من ذوات الأقراء {يتربصن بأنفسهن} أمرن أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ويجبرنها على التربص {ثلاثة قروء} جمع قرء وهو الحيض([6]). فأقام الأشهر مقام الحيض دون الأطهار، ولأن المطلوب من العدة استبراء الرحم، والحيض هو الذي يستبرأ به الأرحام دون الطهر {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} من الولد، أو من دم الحيض، أو منهما، وذلك إذا أرادت المرأة فراق زوجها فكتمت حملها لئلا ينتظر بطلاقها أن تضع، ولئلا يشفق على الولد فيترك تسريحها، أو كتمت حيضها وقالت وهي حائض: قد طهـرت، استعجالا للطلاق؛ ثم عظم فعلهن فقال: { إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر} لأن من ءامن بالله وبعقابه لا يجترئ على مثله من العظائم {وبعولتهن أحق بردهن} أي أزواجهن أولى برجعتهن، وفيه دليل على أن الطلاق الرجعي لا يحرم الوطء([7]) حيث سماه زوجا بعد الطلاق {في ذلك} في مدة ذلك التربص، والمعنى أن الرجل إن أراد الرجعة وأبتها المرأة وجب إيثار قوله على قولها، وكان هو أحق منها لا أن لها حقا في الرجعة {إن أرادوا} بالرجعة {إصلاحا} لما بينهم وبينهن وإحسانا إليهن ولم يريدوا مضارتهن {ولهن مثل الذي عليهن} ويجب لهن من الحق على الرجال من المهر والنفقة وحسن العشرة وترك الـمضارة مثل الذي يجب لهم عليهن من الأمر والنهي {بالمعروف} بالوجه الذي لا ينكر في الشرع وعادات الناس، فلا يكلف أحد الزوجين صاحبه ما ليس له، والمراد بالمماثلة مماثلة الواجب الواجب في كونه حسنة لا في جنس الفعل، فلا يجب عليه إذا غسلت ثيابه أو خبزت له أن يفعل نحو ذلك، ولكن يقابله بما يليق بالرجال {وللرجال عليهن درجة} زيادة في الحق وفضيلة بالقيام بأمرها، وإن اشتركا في اللذة والاستمتاع، أو بالإنفاق وملك النكاح {والله عزيز} لا يعترض عليه في أموره {حكيم} لا يأمر إلا بما هو صواب وحسن.
- {الطلاق مرتان} الطلاق الرجعي مرتان لأنه لا رجعة بعد الثلاث {فإمساك بمعروف} برجعة، والمعنى فالواجب عليكم إمساك بمعروف {أو تسريح بإحسان} بألا يراجعها حتى تبين بالعدة {ولا يحل لكم} أيها الأزواج أو الحكام لأنهم الآمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم فكأنهم الآخذون والمؤتون {أن تأخذوا مما ءاتيتموهن شيئا} مما أعطيتموهن من المهور {إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله} إلا أن يعلم الزوجان ترك إقامة حدود الله فيما يلزمهما من مواجب الزوجية لما يحدث من نشوز المرأة وسوء خلقها {فإن خفتم} أيها الولاة، وجاز أن يكون أول الخطاب للأزواج وءاخره للحكام {ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما} فلا جناح على الرجل فيما أخذ ولا عليها فيما أعطت {فيما افتدت به} نفسها واختلعت به من بذل ما أوتيت من المهر {تلك حدود الله} أي ما حد من النكاح واليمين والإيلاء والطلاق والخلع وغير ذلك {فلا تعتدوها} فلا تجاوزها بالمخالفة {ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون} الضارون أنفسهم.
- {فإن طلقها} مرة ثالثة بعد المرتين {فلا تحل له من بعد} من بعد التطليقة الثالثة {حتى تنكح زوجا غيره} حتى تتزوج غيره، والنكاح يسند إلى المرأة كما يسند إلى الرجل كالتزوج، وفيه دليل على أن النكاح ينعقد بعبارتها، والإصابة شرطت بحديث العسيلة، كما عرف في أصول الفقه، والفقه فيه أنه لما أقدم على فراق لم يبق للندم مخلصا لم تحل له إلا بدخول فحل عليها ليمتنع عن ارتكابه {فإن طلقها} الزوج الثاني بعد الوطء {فلا جناح عليهما} على الزوج الأول وعليها {أن يتراجعا} أن يرجع كل واحد منهما إلى صاحبه بالزواج {إن ظنا أن يقيما حدود الله} إن كان في ظنهما أنهما يقيمان حقوق الزوجية، ولم يقل إن علما أنهما يقيمان، لأن اليقين مغيب عنهما لا يعلمه إلا الله {وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون} يفهمون ما بين لهم.
([1]) هو مرثد بن أبي مرثد، كناز الغنوي، هو وأبوه بدريان.
([2]) عناق: امرأة مشركة من العرب، كانت ذات حظ وجمال.
([3]) أبو الدحداح: ثابت بن الدحداج الأنصاري وهو من الصحابة.
([6]) هذا عند الحنفية، ولفظ القرء بفتح القاف وضمها مشترك بين الحيض والطهر، ولكن المراد به هنا عند الشافعية الطهر لقوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1]، أي: في زمنها وهو زمن الطهر.
