تفسير سورة البقرة من الآية مئتين وأحد عشر إلى مئتين وعشرين
- تفسير سورة البقرة من الآية مئتين وأحد عشر إلى مئتين وعشرين
سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب (211) زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب (212) كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (213) أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب (214) يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم (215) كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (216) يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (217) إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم (218) يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (219) في الدنيا والآخرة ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم (220) - {سل} اسأل وهو أمر للرسول هو سؤال تقريع {بني إسرائيل كم ءاتيناهم من ءاية بينة} على أيدي أنبيائهم وهي معجزاتهم {ومن يبدل نعمة الله} هي ءاياته([1]) وهي أجل نعمة من الله، لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة، وتبديلهم إياها أن الله أظهرها لتكون أسباب هداهم فجعلوها أسباب ضلالتهم {من بعد ما جاءته} من بعد ما عرفها وصحت عنده لأنه إذا لم يعرفها فكأنها غائبة عنه {فإن الله شديد العقاب} لمن استحقه.
- {زين للذين كفروا الحياة الدنيا} الـمزين هو الشيطان، زين لهم الدنيا وحسنها في أعينهم بوساوسه وحببها إليهم فلا يريدون غيرها، أو الله تعالى بخلق الشهوات فيهم {ويسخرون من الذين ءامنوا} كانوا يسخرون من فقراء المؤمنين كابن مسعود وعمار وصهيب ونحوهم، أي لا يريدون غير الدنيا، وهم يسخرون ممن لا حظ له فيها أو ممن يطلب غيرها {والذين اتقوا} عن الشرك، وهم هؤلاء الفقراء {فوقهم يوم القيامة} لأنهم في جنة عالية، وهم في نار هاوية {والله يرزق من يشاء بغير حساب} بغير تقتير([2])، يعني أنه يوسع على من أراد التوسعة عليه كما وسع على قارون وغيره، وهذه التوسعة عليكم من الله لحكمة، وهي استدراجكم بالنعمة، ولو كانت كرامة لكان المؤمنون أحق بها منكم.
- {كان الناس أمة واحدة} متفقين على دين الإسلام من ءادم إلى نوح عليهما السلام فاختلفوا {فبعث الله النبيين مبشرين} بالثواب للمؤمنين {ومنذرين} بالعقاب للكافرين {وأنزل معهم الكتاب بالحق} بتبيان الحق {ليحكم} الله، أو الكتاب، أو النبي المنزل عليه {بين الناس فيما اختلفوا فيه} في دين الإسلام الذي اختلفوا فيه بعد الاتفاق {وما اختلف فيه} في الحق {إلا الذين أوتوه} أ الكتاب الـمنزل لإزالة الاختلاف، أي ازدادوا في الاختلاف لـما أنزل عليهم الكتاب {من بعد ما جاءتهم البينات} على صدقه {بغيا بينهم} حسدا بينهم وظلما، لحرصهم على الدنيا وقلة إنصاف منهم {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه} أي هدى الله الذين ءامنوا للحق الذي اختلف فيه من اختلف {من الحق} بيان لما اختلفوا فيه {بإذنه} بعلمه([3]) {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}.
- {أم حسبتم} بل أحسبتم. لـما ذكر ما كانت عليه الأمم من الاختلاف على النبيين بعد مجيء البينات تشجيعا لرسول الله ﷺ والمؤمنين على الثبات والصبر مع الذين اختلفوا عليه من المشركين وأهل الكتاب وإنكارهم لآياته وعداوتهم له، قال لهم على طريقة الالتفات التي هي أبلغ: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم} ولم يأتكم {مثل الذين خلوا} مضوا، أي حالهم التي هي مثل في الشدة {من قبلكم} من النبيين والمؤمنين {مستهم} بيان للمثل، كأن قائلا قال: كيف كان ذلك الـمثل؟ فقيل: مستهم {البأساء} البؤس([4]) {والضراء} المرض والجوع {وزلزلوا} وحركوا بأنواع البلايا وأزعجوا إزعاجا شديدا شبيها بالزلزلة {حتى يقول الرسول والذين ءامنوا معه} إلى الغاية التي قال الرسول ومن معه من المؤمنين فيها {متى نصر الله} بلغ بهم الضجر ولم يبق لهم صبر حتى قالوا ذلك، ومعناه طلب النصر وتمنيه واستطالة زمان الشدة، فقيل لهم: {ألا إن نصر الله قريب} إجابة لهم إلى طلبهم من عاجل النصر.
ولما قال عمرو بن الجموح([5]) – وهو شيخ كبير وله مال عظيم -: ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟ نزل:
- {يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل} فقد تضمن قوله: {ما أنفقتم من خير} بيان الـمصرف لأن النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها {وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم} فيجزي عليه.
- {كتب عليكم القتال} فرض عليكم جهاد الكفار {وهو كره لكم} وهو مكروه لكم([6]) {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم} فأنتم تكرهون الغزو، وفيه إحدى الحسنيين، إما لظفر والغنيمة، وإما الشهادة والجنة {وعسى أن تحبوا شيئا} وهو القعود عن الغزو {وهو شر لكم} لما فيه من الذل والفقر وحرمان الغنيمة والأجر {والله يعلم} ما هو خير لكم {وأنتم لا تعلمون} ذلك، فبادروا إلى ما يأمركم به وإن شق عليكم.
ونزل في سرية بعثها رسول الله ﷺ فقاتلوا المشركين وقد أهل هلال رجب وهم لا يعلمون ذلك، فقالت قريش: قد استحل محمد عليه الصلاة والسلام الشهر الحرام شهرا يأمن فيه الخائف:
- {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه} يسألك الكفار أو المسلمون عن القتال في الشهر الحرام {قل قتال فيه كبير} إثم كبير، وأكثر الأقاويل على أنها منسوخة([7]) بقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم [التوبة: 5] {وصد عن سبيل الله} منع المشركين رسول الله ﷺ وأصحابه عن البيت عام الحديبية {وكفر به} بالله {والمسجد الحرام} أي وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام {وإخراج أهله} أهل المسجد الحرام، وهم رسول الله ﷺ والمؤمنون {منه} من المسجد الحرام {أكبر عند الله} مما فعلته السرية من القتال في الشهر الحرام على سبيل الخطإ والبناء على الظن([8]) {والفتنة} الشرك {أكبر من القتل} في الشهر الحرام {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم} إخبار عن دوام عداوة الكفار للمسلمين، وأنهم لا ينفكون عنها حتى يردوهم عن دينهم {إن استطاعوا} استبعاد لاستطاعتهم {ومن يرتدد منكم عن دينه} ومن يرجع عن دينه إلى دينهم {فيمت وهو كافر} يمت على الردة {فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة} لما يفوتهم بالردة مما للمسلمين في الدنيا من ثمرات الإسلام، وفي الآخرة من الثواب وحسن المآب {وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}.
- {إن الذين آمنوا والذين هاجروا} تركوا مكة وعشائرهم {وجاهدوا في سبيل الله} المشركين {أولئك يرجون رحمت الله} قيل: من رجا طلب، ومن خاف هرب([9]) {والله غفور رحيم}.
نزل في الخمر أربع ءايات، نزل بمكة: {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا} [النحل: 67] فكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال([10])، ثم إن عمر ونفرا من الصحابة قالوا: يا رسول الله، أفتنا في الخمر، فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال؟ فنزل:
- {يسألونك عن الخمر والميسر} فشربها قوم وتركها ءاخرون، ثم دعا عبد الرحمٰن بن عوف جماعة فشربوا وسكروا، فأم بعضهم فقرأ: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون، فنزل: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} [النساء: 43] فقل من يشربها، ثم دعا عتبان بن مالك([11]) جماعة فلما سكروا منها تخاصموا وتضاربوا، فقال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزل: {إنما الخمر والميسر} [المائدة: 90] إلى قوله: {فهل أنتم متهون} فقال عمر: انتهينا يا رب. والخمر: ما على واشتد وقذف بالزبد من عصير العنب([12])، والـميسر: القمار {قل فيهما إثم كبير} بسبب التخاصم والتشاتم وقول الفحش والزور {ومنافع للناس} بالتجارة في الخمر والتلذذ بشربها، وفي الـميسر نيل المال بلا كد {وإثمهما} وعقاب الإثم في تعاطيهما {أكبر من نفعهما} لأن أصحاب الشرب والقمار يقترفون فيهما الآثام من وجوه كثيرة {ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} أي الفضل، أي أنفقوا ما فضل عن قدر الحاجة، وكان التصدق بالفضل في أول الإسلام فرضا فإذا كان الرجل صاحب زرع أمسك قوت سنة وتصدق بالفضل، وإذا كان صانعا أمسك قوت يومه وتصدق بالفضل، فنسخت بآية الزكاة {كذلك} أي تبيينا مثل هذا التبيين {يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون}.
- {في الدنيا} في أمر الدنيا {والآخرة} أي تتفكرون فيما يتعلق بالدارين فتأخذون بما هو أصلح لكم.
([3]) تفسير الإذن هنا بالعلم غير سديد، والصواب أن معناه المشيئة، أي بإرادته، وقيل بتمكينه وتوفيقه.
([4]) البؤس: الضر، أو شدة الفقر.
([5]) هو عمرو بن الجموح بن زيد الخزرجي الأنصاري رضي الله عنه، صحابي جليل من سادات بني سلمة.
([6]) أي: وإن كانت نفوسكم تكره فرض عليكم أن تقاتلوا لأجل إنقاذ الناس من الكفر، ومعنى تكره هنا تستثقل.
([7]) تحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ، كان حراما ثم نسخ.
([8]) ما علموا أن الشهر الحرام دخل.
([9]) أي: من رجا طلب الرحمة بالعمل، ومن خاف هرب من الذنوب.
([10]) بمعنى أنه لم يكن نزل تحريمها بعد.
([11]) عتبان بن مالك بن عمرو بن العجلان الأنصاري، صحابي من البدريين، مات نحو 50هـ.
- تفسير سورة البقرة من الآية مئتين وأحد عشر إلى مئتين وعشرين
