تفسير سورة البقرة من الآية مئة وواحد وثمانين إلى مئة وتسعين
- تفسير سورة البقرة من الآية مئة وواحد وثمانين إلى مئة وتسعين
فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم (181) فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (182) يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون (183) أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون (184) شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون (185) وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون (186) أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون (187) ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون (188) يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون (189) وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (190) - {فمن بدله} فمن غير الإيصاء عن وجهه إن كان موافقا للشرع من الأوصياء والشهود {بعدما سمعه} أي الإيصاء {فإنما إثمه على الذين يبدلونه} فما إثم التبديل إلا على مبدليه دون غيرهم من الموصي والموصى له لأنهما بريئان من الحيف([1]) {إن الله سميع} لقول الموصي {عليم} بجور الـمبدل.
- {فمن خاف} علم، وهذا شائع في كلامهم، يقولون: أخاف أن ترسل السماء، ويريدون الظن الغالب الجاري مجرى العلم {من موص جنفا} ميلا عن الحق بالخطأ في الوصية {أو إثما} تعمدا للحيف {فأصلح بينهم} بين الموصى لهم، وهم الوالدان والأقربون، بإجرائهم على طريق الشرع {فلا إثم عليه} حينئذ لأن تبديله تبديل باطل إلى حق {إن الله غفور رحيم}.
- {يا أيها الذين ءامنوا كتب} فرض {عليكم الصيام} صيام شهر رمضان {كما كتب} مثل ما كتب {على الذين من قبلكم} على الأنبياء والأمم من لدن ءادم عليه السلام إلى عهدكم، فهو عبادة قديمة {لعلكم تتقون} المعاصي بالصيام، فالصائم أظلف لنفسه([2]) وأردع لها من مواقعة السوء، ولعلكم تنتظمون في زمرة المتقين.
- {أياما معدودات} مؤقتات بعدد معلوم، أي قلائل {فمن كان منكم مريضا} يخاف من الصوم زيادة المرض {أو على سفر} أو راكب سفر {فعدة} أي فأفطر فعليه صيام عدد أيام فطره {من أيام أخر} سوى أيام مرضه وسفره {وعلى الذين يطيقونه} وعلى الـمطيقين للصيام الذين لا عذر لهم إن أفطروا {فدية طعام مسكين} نصف صاع من بر أو صاع من غيره، وكان ذلك في بدء الإسلام فرض عليهم الصوم ولم يتعودوه، فاشتد عليهم، فرخص لهم في الإفطار والفدية ثم نسخ التخيير بقوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] {فمن تطوع خيرا} فزاد على مقدار الفدية {فهو خير له} فالتطوع خير له {وأن تصوموا} أيها الـمطيقون {خير لكم} من الفدية وتطوع الخير، وهذا في الابتداء، وقيل: وأن تصوموا في السفر والمرض خير لكم لأنه أشق عليكم {إن كنتم تعلمون}.
- {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرءان} ابتدئ فيه إنزاله، وكان في ليلة القدر، أو أنزل في شأنه القرءان، وهو قوله تعالى: {كتب عليكم الصيام} [البقرة: 183]. والرمضان مصدر رمض إذا احترق من الرمضاء([3]) فأضيف إليه الشهر وجعل علما وسموه بذلك لارتماضهم([4]) فيه من حر الجوع ومقاساة شدته {هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} أنزل وهو هداية للناس إلى الحق، وهو ءايات واضحات مكشوفات مما يهدي إلى الحق، ويفرق بين الحق والباطل، ذكر أولا أنه هدى ثم ذكر أنه بينات من جملة ما هدى به الله، وفرق بين الحق والباطل من وحيه وكتبه السماوية الهادية الفارقة بين الهدى والضلال {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} فمن كان شاهدا أي حاضرا مقيما غير مسافر في الشهر فليصم فيه ولا يفطر {ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} فعليه صوم عدة {يريد الله بكم اليسر}([5]) حيث أباح الفطر بالسفر والمرض {ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة} عدة ما أفطرتم بالقضاء إذا زال المرض والسفر {ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون} كأنه قيل: لتكبروا الله أي لتعظموه حامدين على ما هداكم إليه.
ولما قال أعرابي لرسول الله ﷺ: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه([6])؟ نزل:
- {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب} علما وإجابة لتعاليه عن القرب مكانا([7]) {أجيب دعوة الداع إذا دعان} إجابة الدعاء وعد صدق من الله لا خلف فيه {فليستجيبوا لي} إذا دعوتهم للإيمان والطاعة كما أني أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم {وليؤمنوا بي} اللام فيهما للأمر {لعلهم يرشدون} ليكونوا على رجاء من إصابة الرشد وهو ضد الغي.
كان الرجل إذا أمسى حل له الأكل والشرب والجماع إلى أن يصلي العشاء الآخرة أو يرقد فإذا صلاها أو رقد ولم يفطر حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى القابلة، ثم إن عمر رضي الله عنه واقع أهله بعد صلاة العشاء الآخرة، فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه فأتى النبي عليه السلام وأخبره بما فعل فقال عليه الصلاة والسلام «ما كنت جديرا بذلك([8])» فنزل:
- {أحل لكم ليلة الصيام الرفث} أي الجماع {إلى نسائكم} ولـما كان الرجل والمرأة يعتنقان ويشتمل كل واحد منهما على صاحبه في عناقه شبه باللباس الـمشتمل عليه([9]) بقوله تعالى: {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} وقيل: لباس أي ستر عن الحرام، و{هن لباس لكم} استئناف كالبيان لسبب الإحلال، وهو أنه إذا كانت بينكم وبينهن مثل هذه المخالطة والملابسة قل صبركم عنهن وصعب عليكم اجتنابهن، فلذا رخص لكم في مباشرتهن {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم} تظلمونها بالجماع وتنقصونها حظها من الخير. والاختيان من الخيانة فيه زيادة وشدة {فتاب عليكم} حين تبتم مما ارتكبتم من المحظور {وعفا عنكم} ما فعلتم قبل الرخصة {فالآن باشروهن}([10]) جامعوهن في ليالي الصوم، وهو أمر إباحة، وسميت المجامعة مباشرة لالتصاق بشرتيهما {وابتغوا ما كتب الله لكم} واطلبوا ما قسم الله لكم وأثبت في اللوح من الولد بالمباشرة، لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها، ولكن لابتغاء ما وضع الله له النكاح من التناسل، أو وابتغوا المحل الذي كتبه الله لكم وحلله دون الـمحل المحرم {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض} هو أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود {من الخيط الأسود} وهو ما يمتد من سواد الليل، شبها بخيطين أبيض وأسود لامتدادهما {من الفجر} بيان أن الخيط الأبيض من الفجر لا من غيره، وعن عدي بن حاتم قال: عمدت إلى عقالين([11]) أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتي، فنظرت إليهما فلم يتبين لي الأبيض من الأسود، فأخبرت النبي عليه السلام بذلك، فقا: «إنك لعريض القفا»، أي سليم القلب، «إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل». {ثم أتموا الصيام إلى الليل} [إلى دخوله بغروب الشمس] {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} معتكفون فيها. بين أن الجماع يحل في ليالي رمضان، لكن لغير المعتكف، وفيه دليل على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد، وأنه لا يختص به مسجد دون مسجد {تلك} الأحكام التي ذكرت {حدود الله} أحكامه المحدودة {فلا تقربوها} بالمخالفة والتغيير {كذلك يبين الله ءاياته} شرائعه {للناس لعلهم يتقون} الـمحارم.
- {ولا تأكلوا أموالكم بينكم} لا يأكل بعضكم مال بعض {بالباطل} بالوجه الذي لم يبحه الله ولم يشرعه {وتدلوا بها إلى الحكام} ولا تدلوا بها فهو مجزوم داخل في حكم النهي، يعني ولا تلقوا أمرها والحكومة فيها إلى الحكام {لتأكلوا} بالتحاكم {فريقا} طائفة {من أموال الناس بالإثم} بشهادة الزور أو بالأيمان الكاذبة، أو بالصلح مع العلم بأن الـمقضي له ظالم، وقال عليه الصلاة والسلام للخصمين: «إنما أنا بشر، وأنتم تختصمون إلي، ولعل بعضكم ألحن بحجته([12]) من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذن منه شيئا، فإنما أقضي له قطعة من نار». فبكيا وقال كل واحد منهما: «حقي لصاحبي» {وأنتم تعلمون} أنكم على الباطل، وارتكاب المعصية مع العلم بقبحها أقبح، وصاحبه بالتوبيخ أحق.
قال معاذ بن جبل: يا رسول الله، ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلئ ويستوي، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدا، لا يكون على حالة واحدة كالشمس؟ فنزل:
- {يسألونك عن الأهلة} جمع هلال، سمي به لرفع الناس أصواتهم عند رؤيته {قل هي مواقيت للناس والحج} معالـم يوقت بها الناس مزارعهم ومتاجرهم ومحال ديونهم وصومهم وفطرهم وعدة نسائهم وأيام حيضهن ومدة حملهن وغير ذلك، ومعالم للحج يعرف بها وقته. كان ناس من الأنصار إذا أحرموا لم يدخل أحد منهم حائطا([13]) ولا دارا ولا فسطاطا([14]) من باب، فإن كان من أهل الـمدر([15]) نقب نقبا في ظهر بيته منه يدخل ويخرج، وإن كان من أهل الوبر([16]) خرج من خلف الخباء([17])، فنزل {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها} أي ليس البر بتحرجكم من دخول الباب {ولكن البر} بر {من اتقى} ما حرم الله. وكأنه قيل لهم عند سؤالهم عن الأهلة وعن الحكمة في نقصانها وتمامها: معلوم أن كل ما يفعله الله تعالى لا يكون إلا حكمة، فدعوا السؤال عنه وانظروا في خصلة واحدة تفعلونها مما ليس من البر في شيء وأنتم تحسبونها برا {وأتوا البيوت من أبوابها} وباشروا الأمور من وجوهها التي يجب أن تباشر عليها ولا تعكسوا {واتقوا الله} فيما أمركم به ونهاكم عنه {لعلكم تفلحون} لتفوزوا بالنعيم السرمد([18]).
([6]) سؤال هذا الأعرابي ليس عن شك في استحالة القرب الحسي والبعد الحسي على الله، إنما يريد زيادة اليقين في أنه ليس قريبا بالمسافة ولا بعيدا بالمسافة، لأن الذي يعتقد أن الله قريب بالمسافة أو بعيد بالمسافة فقد شبهه بخلقه.
([7]) لا يقال عن الله: بعيد ولا حاضر، أما قريب فيقال لا بمعنى القرب المسافي.
([9]) الثوب ألا يشتمل عليه، ألا يلصقه بصدره وعنقه وبطنه، هذا المراد.
([10]) المباشرة تأتي بمعنى الجماع، وتأتي بمعنى التضام.
([14]) الفسطاط: بيت من شعر، والفسطاط ضرب من الأبنية.
([15]) أهل الـمدر: أهل الحضر والمدن والأبنية.
([16]) أهل الوبر: أهل البادية والأخبية لأن مساكنهم من الوبر وهو صوف الإبل والأرانب ونحوها.
([17]) الخباء: أحد بيوت العرب من وبر أو صوف.
- تفسير سورة البقرة من الآية مئة وواحد وثمانين إلى مئة وتسعين
