تفسير سورة البقرة من الآية مئة وواحد وسبعين إلى مئة وثمانين
- تفسير سورة البقرة من الآية مئة وواحد وسبعين إلى مئة وثمانين
ثم ضرب لهم مثلا فقال:
ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون (171) يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون (172) إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (173) إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم (174) أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار (175) ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد (176) ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون (177) يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم (178) ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون (179) كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين (180)- {ومثل الذين كفروا} أي ومثل داعي الذين كفروا([1]) {كمثل الذي ينعق} يصيح، والمراد {بما لا يسمع إلا دعاء ونداء} البهائم، والمعنى: ومثل داعيهم إلى الإيمان في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلا جرس([2]) النغمة ودوي الصوت من غير إلقاء أذهان ولا استبصار، كمثل الناعق بالبهائم التي لا تسمع إلا دعاء الناعق ونداءه الذي هو تصويت بها وزجر لها، ولا تفقه شيئا ءاخر كما يفهم العقلاء {صم} أي هم صم {بكم عمي} عن الحق {فهم لا يعقلون} الموعظة، ثم بين أن ما حرمه المشركون حلال فقال:
- {يا أيها الذين ءامنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} من مستلذاته أو من حلالاته {واشكروا لله} الذي رزقكموها {إن كنتم إياه تعبدون} إن صح أنكم تختصونه بالعبادة وتقرون أنه معطي النعم.
ثم بين الـمحرم فقال:
- {إنما حرم عليكم الميتة} وهي كل ما فارقه الروح من غير ذكاة مما يذبح {والدم} يعني السائل لقوله في موضع ءاخر: {أو دما مسفوحا} [الأنعام: 145]. وقد حلت الميتتان والدمان بالحديث([3])، {ولحم الخنزير} يعني الخنزير بجميع أجزائه، وخص اللحم لأنه المقوصد بالأكل {وما أهل به لغير الله} ذبح للأصنام فذكر عليه غير اسم الله، وأصل الإهلال رفع الصوتن أي رفع به الصوت للصنم، وذلك قول أهل الجاهلية: باسم اللات والعزى، {فمن اضطر} أي ألجئ {غير باغ} للذة وشهوة {ولا عاد} متعد مقدار الحاجة. والمضطر يباح له قدر ما يقع به القوام وتبقى معه الحياة دون ما فيه حصول الشبع، لأن الإباحة للاضطرار فتقدر بقدر ما تندفع الضرورة {فلا إثم عليه} في الأكل {إن الله غفور} للذنوب الكبائر، فأنى يؤاخذ بتنال الـميتة عند الاضطرار {رحيم} حيث رخص.
ونزل في رؤساء اليهود وتغييرهم نعت النبي عليه الصلاة والسلام وأخذهم على ذلك الرشا.
- {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب} في صفة محمد عليه الصلاة والسلام {ويشترون به ثمنا قليلا} أي عوضا {أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار} لأنه إذا أكل ما يتلبس بالنار لكونها عقوبة عليه فكأنه أكل النار {ولا يكلمهم الله يوم القيامة} كلاما يسرهم، ولكن ينجو قوله: {اخسؤوا فيها ولا تكلمون} [المؤمنون: 108] {ولا يزكيهم} ولا يطهرهم من دنس ذنوبهم {ولهم عذاب أليم} مؤلم.
- {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة} بكتمان نعت محمد عليه الصلاة والسلام {فما أصبرهم على النار} فأي شيء أصبرهم على عمل يؤدي إلى النار، وهذا استفهام معناه التوبيخ.
- {ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق} أي ذلك العذاب بسبب أن الله نزل ما نزل من الكتب بالحق {وإن الذين اختلفوا} أي أهل الكتاب {في الكتاب} هو للجنس، أي في كتب الله فقالوا في بعضها حق وفي بعضها باطل {لفي شقاق} خلاف {بعيد} عن الحق.
- {ليس البر أن تولوا} ليس البر توليتكم {وجوهكم قبل المشرق والمغرب} والخطاب لأهل الكتاب، لأن قبلة النصارى مشرق بيت المقدس، وقبلة اليهود مغربه، وكل واحد من الفريقين يزعم أن البر التوجه إلى قبلته، فرد عليهم بأن البر ليس فيما أنتم عليه {ولكن البر من ءامن بالله} ولكن البر بر من ءامن بالله، والبر اسم للخير ولكل فعل مرضي {واليوم الآخر} يوم البعث {والملائكة والكتاب} أي جنس كتب الله، أو القرءان {والنبيين وآتى المال على حبه} على حب الله، أو حب المال، أو حب الإيتاء، يريد أن يعطيه وهو طيب النفس بإعطائه {ذوي القربى} أي القرابة، قال عليه الصلاة والسلام: «صدقتك على المسكين صدقة، وعلى ذوي رحمك صدقة وصلة» {واليتامى} والمراد الفقراء من ذوي القربى واليتامى {والمساكين} المسكين الدائم السكون إلى الناس لأنه لا شيء له {وابن السبيل} المسافر المنقطع {والسائلين} المستطعمين {وفي الرقاب} وفي معاونة المكاتبين حتى يفكوا رقابهم {وأقام الصلاة} المكتوبة {وءاتى الزكاة} المفروضة {والموفون بعهدهم إذا عاهدوا} الله والناس {والصابرين} لفضل الصبر في الشدائد ومواطن القتال على سائر الأعمال {في البأساء} الفقر والشدة {والضراء} المرض والزمانة([4]) {وحين البأس} وقت القتال {أولئك الذين صدقوا} أي أهل هذه الصفة هم الذين صدقوا في الدين {وأولئك هم المتقون}.
روي أنه كان بين حيين من أحياء العرب دماء في الجاهلية، وكان لأحدهما طول([5]) على الآخر، فأقسموا لنقتلن الحر منكم بالعبد، والذكر بالأنثى، والاثنين بالواحد، فتحاكموا إلى رسول الله ﷺ حين جاء الله بالإسلام فنزل:
- {يا أيها الذين ءامنوا كتب} أي فرض {عليكم القصاص} وهو عبارة عن الـمساواة {في القتلى} المعنى: فرض عليكم اعتبار المماثلة والمساواة بين القتلى {الحر بالحر} أي الحر مأخوذ أو مقتول بالحر {والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} العفو ضد العقوبة. يقال: عفوت عن فلان إذا صفحت عنه وأعرضت عن تعاقبه، ومعنى الآية عند الجمهور فمن عفي له من جهة أخيه شيء من العفو، والأخ ولي المقتول، وذكر بلفظ الأخوة بعثا له على العطف، لما بينهما من الجنسية والإسلام، المعنى فليتبع الطالب القاتل بالمعروف بأن يطالبه مطالبة جميلة، وليؤد إليه المطلوب أي القاتل بدل الدم أداء بإحسان، بألا يماطله ولا يبخسه {ذلك} الحكم المذكور من العفو وأخذ الدية {تخفيف من ربكم ورحمة} فإنه كان في التوراة القتل لا غير، وفي الإنجيل العفو بغير بدل لا غير، وأبيح لنا القصاص والعفو وأخذ المال بطريق الصلح توسعة وتيسيرا. والآية تدل على أن صاحب الكبيرة مؤمن للوصف بالإيمان بعد وجود القتل، ولبقاء الأخوة الثابتة بالإيمان، ولاستحقاق التخفيف والرحمة {فمن اعتدى بعد ذلك} التخفيف فتجاوز ما شرع له من قتل غير القاتل أو القتل بعد أخذ الدية {فله عذاب أليم} نوع من العذاب شديد الألم في الآخرة.
- {ولكم في القصاص حياة} كلام فصيح لما فيه من الغرابة إذ القصاص قتل وتفويت للحياة، وقد جعل ظرفا للحياة، وفي تعريف القصاص وتنكير الحياة بلاغة بينة، لأن المعنى: ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة لمنعه عما كانوا عليه من قتل الجماعة بواحد متى اقتدروا، فكان القصاص حياة وأي حياة، أو لأنه إذا هم بالقتل فتذكر الاقتصاص ارتدع فسلم صاحبه من القتل، وهو من القود، فكان شرع القصاص سبب حياة نفسين {يا أولي الألباب} يا ذوي العقول {لعلكم تتقون} القتل حذرا من القصاص.
([1]) أي: الذي يدعوهم إلى الإيمان.
([2]) الجرس بفتح الجيم وكسرها: الصوت، يقال سمعت جرس الطير إذا سمعت مناقيرها على شيء تأكله.
([3]) «أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال» رواه أحمد.
