تفسير سورة البقرة من الآية مئة وواحد وستين إلى مئة وسبعين
- تفسير سورة البقرة من الآية مئة وواحد وستين إلى مئة وسبعين
إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (161) خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون (162) وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم (163) إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون (164) ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب (165) إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب (166) وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار (167) يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين (168) إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون (169) وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون (170) - {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار} يعني الذين ماتوا من هؤلاء الكاتمين ولم يتوبوا {أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين} ذكر لعنتهم أحياء ثم لعنتهم أمواتا، والمراد بالناس المؤمنون.
- {خالدين فيها} في اللعنة أو في النار، إلا أنها أضمرت تفخيما لشأنها وتهويلا {لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون} لا ينتظرون ليعتذروا.
- {وإلهكم إله واحد} فرد في ألوهيته لا شريك له فيها، ولا يصح أن يسمى غيره إلٰها {لا إله إلا هو} تقرير للوحدانية بنفي غيره وإثباته {الرحمن الرحيم} الـمولي([1]) لجميع النعم أصولها وفروعها، ولا شيء سواه بهذه الصفة.
ولما عجب المشركون من إلٰه واحد وطلبوا ءاية على ذلك نزل:
- {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار} في اللون والطول والقصر وتعاقبهما في الذهاب والمجيء {والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس} بالذي ينفعهم مما يحمل فيها {وما أنزل الله من السماء من ماء} مطر {فأحيا به} بالماء {الأرض بعد موتها} يبسها {وبث فيها} وفرق في الأرض {من كل دابة} هي كل ما يدب {وتصريف الرياح} تقليبها في مهابها قبولا ودبورا وجنوبا وشمالا([2])، وفي أحوالها حارة وباردة وعاصفة ولينة وعقما([3]) ولواقح. وقيل: تارة بالرحمة وطورا بالعذاب {والسحاب المسخر} الـمذلل الـمنقاد لمشيئة الله تعالى فيمطر حيث شاء {بين السماء والأرض} في الهواء {لآيات لقوم يعقلون} ينظرون بعيون عقولهم ويعتبرون فيستدلون بهذه الأشياء على قدرة موجدها وحكمة مبدعها ووحدانية منشئها.
- {ومن الناس} ومع هذا البرهان النير، من الناس {من يتخذ من دون الله} [أي غير الله] {أندادا} أمثالا من الأصنام [في التسمية – بأن يسموها ءالهة – أو في العبادة بأن يجعلوها شركاء لله تعالى في استحقاق العبادة] {يحبونهم} يعظمونهم ويخضعون لهم {كحب الله} كتعظيم الله والخضوع له {والذين ءامنوا أشد حبا لله} من المشركين لآلهتهم، لأنهم لا يعدلون عنه إلى غيره بحال، والمشركون يعدلون عن أندادهم إلى الله عند الشدائد فيفزعون إليه ويخضعون له {ولو يرى الذين ظلموا} إشارة إلى متخذي الأنداد {إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب} لو يعلم هؤلاء الذين ارتكبوا الظلم العظيم بشركهم أن القدرة كلها لله تعالى على كل شيء من الثواب والعقاب دون أندادهم، ويعلمون شدة عقابه للظالمين إذا عاينوا العذاب يوم القيامة، لكان منهم ما لا يدخل تحت الوصف من الندم والحسرة.
- {إذ تبرأ الذين اتبعوا} وهم الرؤساء {من الذين اتبعوا} من الأتباع {ورأوا العذاب} أي تبرءوا في حال رؤيتهم العذاب {وتقطعت بهم الأسباب} الوصل([4]) التي كانت بينهم من الاتفاق على دين واحد ومن الأنساب والـمحاب.
- {وقال الذين اتبعوا} أي الأتباع {لو أن لنا كرة} رجعة إلى الدنيا {فنتبرأ} والمعنى: ليت لنا كرة فنتبرأ {منهم كما تبرؤوا منا} الآن {كذلك} مثل ذلك الإراء الفظيع {يريهم الله أعمالهم} عبادتهم الأوثان {حسرات عليهم} ندامات، معناه أن أعمالهم تنقلب عليهم حسرات فلا يرون إلا حسرات مكان أعمالهم {وما هم بخارجين من النار} بل هم فيها دائمون.
- {يا أيها الناس كلوا} أمر إباحة {مما في الأرض} من للتبعيض، لأن كل ما في الأرض ليس بمأكول {حلالا طيبا} طاهرا من كل شبهة {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} طرقه التي يدعوكم إليها {إنه لكم عدو مبين} ظاهر العداوة لا خفاء به.
- {إنما يأمركم} بيان لوجوب الانتهاء عن اتباعه وظهور عداوته، أي لا يأمركم بخير قط إنما يأمركم {بالسوء} بالقبيح {والفحشاء} وما يتجاوز الحد في القبح من العظائم {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} هو قولكم: هذا حلال وهذا حرام بغير علم، ويدخل فيه كل ما يضاف إلى الله تعالى مما لا يجوز عليه.
([2]) ريح القبول ويقال لها ريح الصبا هي الريح التي تهب من جهة باب الكعبة من المشرق، والدبور هي الريح الغربية التي تهب من دبر الكعبة من المغرب، وريح الجنوب تهب من الجنوب وتكون عادة دافئة، والشمال تهب من جهة الشام من ناحية القطب وتكون عادة باردة.
- تفسير سورة البقرة من الآية مئة وواحد وستين إلى مئة وسبعين
