تفسير سورة البقرة من الآية مئة وواحد وخمسين إلى مئة وستين
- تفسير سورة البقرة من الآية مئة وواحد وخمسين إلى مئة وستين
كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون (151) فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون (152) يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين (153) ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون (154) ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين (155) الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون (156) أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون (157) إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم (158) إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (159) إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم (160) - {كما أرسلنا فيكم} ولأتم نعمتي عليكم في الآخرة بالثواب كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول {رسولا منكم} من العرب يتلو عليكم ءاياتنا} يقرأ عليكم القرءان {ويزكيكم ويعلمكم الكتاب} القرءان {والحكمة} السنة والفقه {ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} ما لا سبيل إلى معرفته إلا بالوحي.
- {فاذكروني} بالمعذرة([1]) {أذكركم} بالمغفرة، أو بالثناء والعطاء، أو بالسؤال والنوال([2])، أو بالتوبة وعفو الحوبة([3])، أو بالإخلاص والخلاص، أو بالمناجاة والنجاة. {واشكروا لي} ما أنعمت به عليكم {ولا تكفرون} ولا تجحدوا نعمائي.
- {يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر} فبه تنال كل فضيلة {والصلاة} فإنها تنهى عن كل رذيلة {إن الله مع الصابرين} بالنصر والمعونة.
- {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله} نزلت في شهداء بدر وكانوا أربعة عشر رجلا {أموات} هم أموات {بل أحياء} أي هم أحياء {ولكن لا تشعرون} لا تعلمون ذلك، لأن حياة الشهيد لا تعلم حسا.
- {ولنبلونكم} ولنصيبنكم بذلك إصابة تشبه فعل المختبر لأحوالكم، هل تصبرون على ما أنتم عليه من الطاعة أم لا؟ {بشيء} بقليل من كل واحدة من هذه البلايا وطرف منه، وقلل ليؤذن أن كل بلاء أصاب الإنسان وإن جل ففوقه ما يقل إليه، ويريهم أن رحمته معهم في كل حال. وأعلمهم بوقوع البلواء قبل وقوعها ليوطنوا نفوسهم عليها {من الخوف} خوف الله أو العدو {والجوع} القحط {ونقص من الأموال} بموت المواشي {والأنفس} بالقتل والموت {والثمرات} ثمرات الحرث {وبشر الصابرين} على هذه البلايا أو المسترجعين عند البلايا([4])، لأن الاسترجاع تسليم وإذعان. وفي الحديث: «من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه وجعل له خلفا صالحا يرضاه»، [وروي أنه] طفئ سراج رسول الله ﷺ فقال: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، فقيل: أمصيبة هي؟ قال: نعم، «كل شيء يؤذي المؤمن فهو مصيبة». والخطاب لرسول الله ﷺ أو لكل من يتأتى منه البشارة.
- {الذين إذا أصابتهم مصيبة} مكروه {قالوا إنا لله} إقرار له بالـملك {وإنا إليه راجعون} إقرار على نفوسنا بالهلك.
- {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة} عليهم رأفة بعد رأفة ورحمة بعد رحمة {وأولئك هم المهتدون} لطريق الصواب حيث استرجعوا وأذعنوا لأمر الله. قال عمر رضي الله عنه: نعم العدلان ونعم العلاوة، أي الصلاة والرحمة والاهتداء([5]).
- {إن الصفا والمروة} هما علمان للجبلين {من شعائر الله} من أعلام مناسكه ومتعبداته، جمع شعيرة وهي العلامة {فمن حج البيت} قصد الكعبة {أو اعتمر} زار الكعبة، فالحج: القصد، والاعتمار: الزيارة، ثم غلبا على قصد البيت وزيارته للنسكين المعروفين {فلا جناح عليه} فلا إثم عليه {أن يطوف بهما} أي: يتطوف وأصل الطوف المشي حول الشيء، والمراد هنا السعي بينهما {فلا جناح} دليل على أنه ليس بركن([6]) كما قال مالك والشافعي رحمهما الله تعالى. وكذا قوله: {ومن تطوع خيرا} أي بالطواف بهما مشعر بأنه ليس بركن {فإن الله شاكر} مجاز على القليل كثيرا {عليم} بالأشياء صغيرا أو كبيرا.
- {إن الذين يكتمون} من أحبار اليهود {ما أنزلنا} في التوراة {من البينات} من الآيات الشاهدة على أمر محمد عليه الصلاة والسلام {والهدى} الهداية إلى الإسلام بوصفه عليه الصلاة والسلام {من بعد ما بيناه} أوضحناه {للناس في الكتاب} في التوراة لم ندع فيه موضع إشكال، فعمدوا إلى ذلك الـمبين فكتموه {أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} الذين يتأتى منهم اللعن، وهم الملائكة والمؤمنون من الثقلين.
([1]) أي: بالاعتذار والاستغفار.
([4]) أي: القائلين: إنا لله وإنا إليه راجعون.
([5]) شبهه بما يكون من هذا الجانب وذاك الجانب من حمل البعير فالعدلان الصلاة والرحمة، والاهتداء العلاوة، كما يقال أعطاه ألف دينار ودينارا علاوة. ومعناه كل مفيد.
([6]) هذا عند الحنفية، فالسعي عندهم واجب وليس ركنا كما ذهب إليه مالك والشافعي.
- تفسير سورة البقرة من الآية مئة وواحد وخمسين إلى مئة وستين
