تفسير سورة البقرة من الآية مئة وواحد وتسعين إلى مئتين
- تفسير سورة البقرة من الآية مئة وواحد وتسعين إلى مئتين
واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين (191) فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم (192) وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين (193) الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين (194) وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين (195) وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب (196) الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب (197) ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين (198) ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (199) فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق (200) - {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} وجدتموهم، والثقف الوجود على وجه الأخذ والغلبة {وأخرجوهم من حيث أخرجوكم} من مكة، وعدهم الله تعالى فتح مكة بهذه الآية، وقد فعل رسول الله ﷺ [ذلك] بمن لم يسلم منهم يوم الفتح {والفتنة أشد من القتل} شركهم بالله أعظم من القتل الذي يحل بهم منكم، وقيل: الفتنة عذاب الآخرة([1]) {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه} ولا تبدؤوا بقتالهم في الحرم حتى يبدؤوا {فإن قاتلوكم} [فيه] {فاقتلوهم} [فيه] {كذلك جزاء الكافرين} [يفعل بهم مثل ما فعلوا].
- {فإن انتهوا} عن الشرك والقتال {فإن الله غفور} لما سلف من طغيانهم {رحيم} بقبول توبتهم وإيمانهم.
- {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} شرك {ويكون الدين لله} خالصا ليس للشيطان فيه نصيب، أي لا يعبد دونه شيء {فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين} فإن امتنعوا عن الكفر فلا تقاتلوهم، فإنه لا عدوان إلا على الظالمين، ولم يبقوا ظالمين. قاتلهم المشركون عام الحديبية([2]) في الشهر الحرام، وهو ذو القعدة، فقيل لهم عند خروجهم لعمرة القضاء وكراهتهم القتال، وذلك في ذي القعدة:
- {الشهر الحرام بالشهر الحرام} هذا الشهر بذلك الشهر، وهتكه بهتكه، يعني تهتكون حرمته عليهم كما هتكوا حرمته عليكم {والحرمات قصاص} وكل حرمة يجري فيها القصاص. من هتك حرمة أي حرمة كانت اقتص منه بأن تهتك له حرمة، فحين هتكوا حرمة شهركم، فافعلوا بهم نحو ذلك ولا تبالوا، وأكد ذلك بقوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} بعقوبة مماثلة لعدوانهم {واتقوا الله} في حال كونكم منتصرين ممن اعتدى عليكم، فلا تعتدوا إلى ما لا يحل لكم {واعلموا أن الله مع المتقين} بالنصر([3]).
- {وأنفقوا في سبيل الله} تصدقوا في رضا الله، وهو عام في الجهاد وغيره {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} ولا تقتلوا أنفسكم بأيديكم، والمعنى النهي عن ترك الإنفاق في سبيل الله لأنه سبب الهالك، أو عن ترك الغزو الذي هو تقوية للعدو([4]) {وأحسنوا} الظن بالله في الإخلاف([5]) {إن الله يحب المحسنين} إلى المحتاجين.
- {وأتموا الحج والعمرة لله} وأدوهما تامين بشرائطهما وفرائضهما لوجه الله تعالى بلا توان ولا نقصان، وقيل: الإتمام يكون بعد الشروع، فهو دليل على أن من شرع فيهما لزمه إتمامهما {فإن أحصرتم} الإحصار يثبت بكل منع من عدو أو مرض أو غيرهما {فما استيسر من الهدي} فما تيسر منه، والهدي [ما أهدي من النعم إلى مكة]، يعني فإن منعتم من الـمضي إلى البيت وأنتم محرمون بحج أو عمرة فعليكم إذا أردتم التحلل ما استيسر من الهدي من بعير أو بقرة أو شاة {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله} الخطاب للمحصرين، أي لا تحلوا بحلق الرأس حتى تعلموا أن الهدي الذي بعثتموه إلى الحرم بلغ محله أي مكانه الذي يجب نحره فيه وهو الحرم {فمن كان منكم مريضا} فمن كان منكم به مرض يحوجه إلى الحلق {أو به أذى من رأسه} وهو القمل أو الجراحة {ففدية} فعليه إذا حلق فدية {من صيام} ثلاثة أيام {أو صدقة} على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من بر {أو نسك} شاة {فإذا أمنتم} الإحصار وكنتم في حال أمن وسعة {فمن تمتع} استمتع {بالعمرة إلى الحج} واستمتاعه بالعمرة إلى وقت الحج انتفاعه بالتقرب بها إلى الله قبل انتفاعه بالتقرب بالحج، وقيل: إذا حل من عمرته انتفع باستباحة ما كان محرما عليه إلى أن يحرم بالحج {فما استيسر من الهدي} هو هدي الـمتعة، وهو نسك يؤكل منه ويذبح يوم النحر {فمن لم يجد} الهدي {فصيام ثلاثة أيام في الحج} فعليه صيام ثلاثة أيام في وقت الحج، وهو أشهره ما بين الإحرامين إحرام العمرة وإحرام الحج {وسبعة إذا رجعتم} إذا نفرتم وفرغتم من أفعال الحج {تلك عشرة كاملة} في وقوعها بدلا عن الهدي {ذلك} إشارة إلى التمتع {لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} هم أهل المواقيت([6]) [فما] دونها إلى مكة [أي: ذلك التمتع للذي لا يسكن مكة وما حواليها إلى المواقيت، وإنما ذكر الأهل لأن الغالب أن الإنسان يسكن حيث يسكن أهله، فعبر بسكون الأهل عن سكون نفسه([7])] {واتقوا الله} فيما أمركم به ونهاكم عنه في الحج وغيره {واعلموا أن الله شديد العقاب} لمن لم يتقه.
- {الحج} أي وقت الحج {أشهر معلومات}([8]) معروفات عند الناس لا يشكلن عليهم وهي: شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة. وفائدة توقيت الحج بهذه الأشهر أن شيئا من أفعال الحج لا يصح إلا فيها {فمن فرض} ألزم نفسه بالإحرام {فيهن الحج} في هذه الأشهر {فلا رفث} هو الجماع {ولا فسوق} هو المعاصي {ولا جدال في الحج} ولا مراء مع الرفقاء والخدم الـمكارين([9]) {وما تفعلوا من خير يعلمه الله} أعلم بأنه عالم به يجازيكم عليه، ورد قول من نفى علمه بالجزئيات([10]). كان أهل اليمن لا يتزودون ويقولون: نحن متوكلون، فيكونون كلا([11]) على الناس، فنزل فيهم: {وتزودوا} أي واتقوا الاستطعام وإبرام الناس([12]) والتثقيل عليهم {فإن خير الزاد التقوى} الاتقاء عن الإبرام والتثقيل، أو تزودوا للمعاد باتقاء المحظورات، فإن خير الزاد اتقاؤها {واتقون} وخافوا عقابي {يا أولي الألباب} يا ذوي العقول، يعني أن قضية اللب تقوى الله، ومن لم يتقه من الألباء فكأنه لا لب له.
ونزل في قوم زعموا أن لا حج لجمال وتاجر، وقالوا: هؤلاء الداج([13]) وليسوا بالحاج.
- {ليس عليكم جناح أن تبتغوا} في أن تبتغوا في مواسم الحج {فضلا من ربكم} عطاء وتفضلا، وهو النفع والربح بالتجارة والكراء {فإذا أفضتم} دفعتم بكثرة من إفاضة الماء وهو صبه بكثرة {من عرفات} هي علم للموقف، وسميت بذلك لأنها وصفت لإبراهيم عليه السلام فلـما رءاها عرفها. وقيل: التقى فيها ءادم وحواء فتعارفا، وفيه دليل على وجوب الوقوف بعرفة لأن الإفاضة لا تكون إلا بعده {فاذكروا الله} بالتلبية والتهليل والتكبير والثناء والدعوات، أو بصلاة المغرب والعشاء {عند المشعر الحرام} هو الجبل الذي يقف عليه الإمام وعليه الـميقدة([14]). والـمشعر: الـمعلم لأنه معلم العبادة. ووصف بالحرام لحرمته. وقيل: الـمشعر الحرام مزدلفة، وسميت المزدلفة جمعا لأنه يجمع فيها بين الصلاتين، أو لأن الناس يزدلفون إلى الله تعالى أي يتقربون بالوقوف فيها {واذكروه كما هداكم} اذكروه ذكرا حسنا كما هداكم هداية حسنة {وإن كنتم من قبله} من قبل الهدى {لمن الضالين} الجاهلين، لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه.
- {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس ولا تكن من المزدلفة. قالوا: هذا أمر لقريش بالإفاضة من عرفات إلى جمع، وكانوا يقفون بجمع، وسائر الناس بعرفات، ويقولون: نحن قطان حرمه([15]) فلا نخرج منه {واستغفروا الله} من مخالفتكم في الموقف ونحو ذلك من جاهليتكم من تقصيركم في أعمال الحج {إن الله غفور رحيم} بكم.
([1]) وليس معنى الآية أن مجرد الإفساد بين اثنين أشد من قتل المسلم ظلما كما يدعي ذلك بعض الجهلة، بل في ذلك تكذيب للشريعة، لأنه معلوم من الدين بالضرورة عند الخاصة والعامة أنه لا شيء أكبر ذنبا عند الله من قتل المسلم ظلما إلا الكفر. قال رسول الله ﷺ: «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم» رواه النسائي في سننه.
([2]) الحديبية: قرية متوسطة سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة حيث وادع النبي ﷺ المشركين عام 5هـ.
([3]) النصر إما حسي وإما معنوي، المؤمنون هم المنتصرون إما انتصارا حسيا وإما انتصارا معنويا، إذا قاتلوا الكفار فكسروهم هذا انتصار حسي ومعنوي، أما إذا كسر الكفار المسلمين واستولوا عليهم فالمؤمنون في هذا الحال منتصرون معنى وحكما، لأن لهم أجرا بقتالهم، ومن قتل منهم يكون له أجر الشهادة، هم على الحق، فهم المنتصرون حكما، ليس الانتصار الانتصار الحسي فقط، {وكان حقا علينا نصر المؤمنين} أيضا على هذا الوجه.
([4]) الصواب في معنى هذه الآية أنها الانشغال في أمول المال عن الجهاد، لأن بعض الأنصار انشغلوا بإصلاح أموالهم وكانوا أهل نخيل، فنزلت.
([5]) ظنوا بالله تعالى بأنه يخلف عليكم مثل ما أنفقتموه في سبيله وزيادة.
([6]) جمع ميقات، كالجحفة وذي الحليفة.
([7]) وفي تحديد هذه المسافة خلاف بين المذاهب.
([8]) ليس المراد الأشهر الكاملة.
([9]) المراد: مكرو الدواب، أي: مؤجروها.
([10]) كالفلاسفة، الفلسفة من العلوم المحرمة.
([12]) أي: إضجار الناس، أي جعلهم يتضجرون.
([13]) الداج: الأجراء والـمكارون والأعوان ونحوهم الذين مع الحاج لأنهم يدجون على الأرض أي يدبون في السير.
([14]) الميقدة: مكان في الجبل الذي يقف عليه الإمام بالمشعر الحرام، كان أهل الجاهلية يوقدون عليه النار.
- تفسير سورة البقرة من الآية مئة وواحد وتسعين إلى مئتين
