تفسير سورة البروج من الآية واحد إلى الآية أحد عشر
سورة البروج
مكية وهي اثنتان وعشرون ءاية
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة البروج من الآية واحد إلى الآية أحد عشر
والسماء ذات البروج (1) واليوم الموعود (2) وشاهد ومشهود (3) قتل أصحاب الأخدود (4) النار ذات الوقود (5) إذ هم عليها قعود (6) وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود (7) وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد (8) الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد (9) إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق (10) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير (11)
- 3- {والسماء ذات البروج} هي البروج الاثنا عشر، وقيل: النجوم، أو عظام الكواكب [سميت بروجا لظهورها] {واليوم الموعود} يوم القيامة {وشاهد ومشهود} وشاهد في ذلك اليوم ومشهود فيه، والمراد بالشاهد من يشهد فيه من الخلائق كلهم، وبالمشهود فيه ما في ذلك اليوم من عجائبه. وقد كثرت أقاويل المفسرين فيهما، فقيل: محمد ﷺ ويوم القيامة، أو عيسى وأمته، أو أمة محمد وسائر الأمم، أو الحفظة وبنو ءادم [وقيل غير ذلك]. وجواب القسم محذوف يدل عليه:
- 5- {قتل أصحاب الأخدود} أي لعن، كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء إنهم ملعونون – يعني كفار قريش – كما لعن أصحاب الأخدود [وذلك أن السورة وردت في تثبيت المؤمنين وتصبيرهم على أذى كفار مكة وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب على الإيمان وصبرهم وثباتهم حتى يأنسوا بهم ويصبروا على ما كانوا يلقون من قومهم ويعلموا أن كفارهم عند الله بمنزلة أولئك المعذبين المحرقين بالنار معلونون أحقاء بأن يقال فيهم: قتلت قريش كما قتل أصحاب الأخدود]، وهو خد([1]) أي شق([2]) عظيم في الأرض. روي عن النبي ﷺ أنه كان لبعض الملوك ساحر، فلما كبر ضموا إليه غلاما ليعلمه السحر، وكان في طريق الغلام راهب فسمع منه، فرأى في طريقه ذات يوم دابة قد حبست الناس، فأخذ حجرا فقال: اللهم إن كان الراهب أحب إليك من الساحر فاقتلها فقتلها، فكان الغلام بعد ذلك يبرئ الأكمه([3]) والأبرص([4])، وعمي جليس للملك فأبرأه، فأبصره الملك، فسأله من رد عليك بصرك؟ فقال: ربي، فغضب، فعذبه، فدل على الغلام، فعذبه، فدل على الراهب، فلم يرجع الراهب عن دينه فقد([5]) بالـمنشار، وأبى الغلام، فذهب به إلى جبل ليطرح من ذروته([6])، فدعا فرجف بالقوم فطاحوا([7]) ونجا، فذهب به إلى قرقور([8])، فلججوا([9]) به ليغرقوه، فدعا فانكفأت بهم السفينة فغرقوا ونجا، فقال للملك: لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد وتصلبني على جذع وتأخذ سهما من كنانتي([10]) وتقول: باسم الله رب الغلام([11])، ثم ترميني به، فرماه فوقع في صدغه([12])، فوضع يده عليه فمات، فقال الناس: ءامنا برب الغلام، فقيل للملك: نزل بك ما كنت تحذر، فخد أخدودا وملأها نارا، فمن لم يرجع عن دينه طرحه فيها، حتى جاءت امرأة معها صبي، فتقاعست([13]) أن تقع فيها، فقال الصبي: يا أماه اصبري فإنك على الحق، فألقي الصبي وأمه فيها([14]) {النار} بدل اشتمال من الأخدود {ذات الوقود} وصف لها بأنها نار عظيمة لها ما يرتفع به لهبها من الحطب الكثير وأبدان الناس.
- 9- {إذ} أي: لعنوا حين أحدقوا بالنار قاعدين حولها {هم عليها} أي: الكفار على ما يدنو منها م، حافات الأخدود {قعود} جلوس على الكراسي {وهم} أي: الكفار {على ما يفعلون بالمؤمنين} من الإحراق {شهود} يشهد بعضهم لبعض عند الـملك أن أحدا منهم لم يفرط فيما أمر به وفوض إليه من التعذيب، وفيه حث للمؤمنين على الصبر وتحمل أذى أهل مكة {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا} وما عابوا منهم وما أنكروا إلا الإيمان {بالله العزيز الحميد} ذكر الأوصاف التي يستحق بها أن يؤمن به، وهو كونه عزيزا غالبا قادرا يخشى عقابه، حميدا([15]) منعما يجب له الحمد على نعمته ويرجى ثوابه {الذي له ملك السماوات والأرض} فكل من فيهما تحق عليه عبادته والخشوع له تقريرا، لأن ما نقموا منهم هو الحق الذي لا ينقمه إلا مبطل، وأن الناقمين أهل لانتقام الله منهم بعذاب عظيم {والله على كل شيء شهيد} وعيد لهم، يعني: أنه علم ما فعلوا وهو مجازيهم عليه.
11- {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات} يجوز أن يريد بالذين فتنوا أصحاب الأخدود خاصة وبالذين ءامنوا الـمطروحين في الأخدود، ومعنى فتنوهم عذبوهم بالنار وأحرقوهم {ثم لم يتوبوا} لم يرجعوا عن كفرهم {فلهم} في الآخرة {عذاب جهنم} بكفرهم {ولهم عذاب الحريق} في الدنيا لما روي أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم([16])، ويجوز أن يريد أن للفاتنين عذابين في الآخرة لكفرهم ولفتنتهم([17]) {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير} أي: الذين صبروا على تعذيب الأخدود، أو هو عام.
([1]) الخد: الأخدود، وهو حفرة مستطيلة في الأرض.
([2]) الشق بالفتح: الصدع والموضع المشقوق، وأما الشق بالكسر فهو الناحية والجانب ونصف الشيء.
([4]) الأبرص: من به البرص وهو داء معروف نسأل الله العافية منه ومن كل داء، وهو بياض يقع في الجسد.
([6]) أي: من أعلاه، وذروة كل شيء أعلاه.
([7]) ارتج بهم الجبل فطاحوا أي سقطوا.
([8]) القرقور بضم القافين: السفينة الصغيرة، وقيل الكبيرة.
([9]) أي: دخلوا به لج البحر، ولج البحر: الماء الكثير الذي لا يرى طرفاه.
([11]) هذا لمصلحة دينية عظيمة مهمة، وهي إدخال جمع عظيم في الإسلام، والغلام لا يعتقد أن الكافر سيقول ذلك تبركا، على وجه التبرك باسم الله عند القتل لأن الملك لا يؤمن بالله.
([12]) الصدغ: ما انحدر من الرأس إلى أصل اللحيين، وقيل: هو ما بين العين والأذن.
([14]) رواه مسلم والترمذي والنسائي وغيرهم.
([15]) الحميد إن أطلق في حق الله تعالى معناه المحمود الذي يجب حمده.
([16]) هذا لم يرد في الحديث الذي أخرجه مسلم.
([17]) أي: لإحراقهم المؤمنين في الأخدود. هؤلاء يمكن أن يكونوا بين سيدنا عيسى وسيدنا محمد عليهما الصلاة والسلام، النصارى بقوا على دين عيسى عليه السلام مائتي سنة.
