تفسير سورة الإسراء من الآية خمسين إلى ستين
- تفسير سورة الإسراء من الآية خمسين إلى ستين
قل كونوا حجارة أو حديدا (50) أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رءوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا (51) يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا (52) وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا (53) ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلناك عليهم وكيلا (54) وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داوود زبورا (55) قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا (56) أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا (57) وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا (58) وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا (59) وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا (60) - 51- {قل كونوا حجارة أو حديدا(51) أو خلقا مما يكبر في صدوركم} أي السماوات والأرض فإنها تكبر عندكم عن قبول الحياة {فسيقولون من يعيدنا قل}: يعيدكم {الذي فطركم أول مرة} والمعنى أنكم تستبعدون أن يجدد الله خلقكم ويرده إلى حال الحياة بعد ما كنتم عظاما يابسة، مع أن العظام بعض أجزاء الحي، بل هي عمود خلقه الذي يبنى عليه سائره، فليس ببدع أن يردها الله بقدرته إلى الحالة الأولى، ولكن لو كنتم أبعد شيء من الحياة، وهو أن تكونوا حجارة أو حديدا لكان قادرا على أن يردكم إلى حال الحياة فسينغضون إليك رؤوسهم} فسيحركونها نحوك تعجبا واستهزاء {ويقولون متى هو} أي البعث استبعادا له ونفيا {قل عسى أن يكون قريبا} أي هو قريب.
- {يوم يدعوكم} إلى المحاسبة وهو يوم القيامة {فتستجيبون بحمده} تجيبون حامدين، عن سعيد بن جبير: ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون: سبحانك اللهم وبحمدك {وتظنون إن لبثتم إلا قليلا} زمانا قليلا في الدنيا، أو في القبر.
- {وقل لعبادي} وقل للمؤمنين {يقولوا} للمشركين الكلمة {التي هي أحسن} وألين ولا يخاشنوهم، وهي أن يقولوا: يهديكم الله {إن الشيطان ينزغ بينهم} يلقي [بين المؤمنين والمشركين] الفساد ويغري بعضهم على بعض ليوقع بينهم الـمشاقة. والنزغ: إيقاع الشر {إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا} ظاهر العداوة.
- {ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم} بالهداية والتوفيق {أو إن يشأ يعذبكم} بالخذلان {وما أرسلناك عليهم وكيلا} حافظا لأعمالهم وموكولا إليك أمرهم، وإنما أرسلناك بشيرا ونذيرا، فدارهم ومر أصحابك بالمداراة([1]).
- {وربك أعلم بمن في السماوات والأرض} وبأحوالهم وبكل ما يستأهل كل واحد منهم {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض} فيه إشارة إلى تفضيل رسول الله ﷺ، وقوله: {وءاتينا داوود زبورا} دلالة على وجه تفضيله، وأنه خاتم الأنبياء، وأن أمته خير الأمم، لأن ذلك مكتوب في زبور داود، قال الله تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} [الأنبياء: 105] وهم محمد وأمته.
- {قل ادعوا الذين زعمتم} أنها ءالهتكم {من دونه} من دون الله وهم الملائكة، أو عيسى وعزير، أو نفر من الجن عبدهم ناس من العرب ثم أسلم الجن ولم يشعروا {فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} أي فهم لا يستطيعون أن يكشفوا عنكم الضر من مرض أو فقر أو عذاب.
- {أولئك الذين يدعون} يدعونهم ءالهة {يبتغون إلى ربهم الوسيلة} يعني أن ءالهتهم أولئك يبتغون الوسيلة وهي القربة إلى الله عز وجل {أيهم أقرب} يحرصون أيهم يكون أقرب إلى الله، وذلك بالطاعة وازدياد الخير {ويرجون رحمته ويخافون عذابه} كغيرهم من عباد الله فكيف يزعمون أنهم ءالهة؟! {إن عذاب ربك كان محذورا} حقيقا بأن يحذره كل أحد.
- {وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا} قيل: الهلاك للصالحة والعذاب للطالحة [والمراد بالإهلاك الإماتة كقوله تعالى: {إن امرؤ هلك} [النساء: 176] أي مات، فعلى هذا يكون معنى {مهلكوها}: مميتوها كقوله تعالى: {كل نفس ذائقة الموت} [ءال عمران: 185] وقوله تعالى: {كل من عليها فان} [الرحمٰن: 26]، {أو معذبوها} أي بالقتل والبلاء، وعلى هذا التفسير كل قرية في الأرض سيصيبها هذا أو بعضه] {كان ذلك في الكتاب} في اللوح المحفوظ {مسطورا} مكتوبا.
- {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون} استعير المنع لترك إرسال الآيات، [معناه: لم نرد إرسال الآيات لأجل أنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب الأولين، الله تعالى ليس له مانع يمنع نفوذ مشيئته]، والمراد الآيات التي اقترحتها قريش من قلب الصفا ذهبا، ومن إحياء الموتى وغير ذلك، وسنة الله في الأمم أن من اقترح منهم ءاية فأجيب إليها ثم لم يؤمن أن يعاجل بعذاب الاستئصال، والمعنى: وما [تركنا] إرسال ما يقترحونه من الآيات إلا أن كذب بها الذين هم أمثالهم من المطبوع على قلوبهم كعاد وثمود، وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك وعذبوا العذاب المستأصل، وقد حكمنا أن نؤخر أمر من بعثت إليهم إلى يوم القيامة، ثم ذكر من تلك الآيات التي اقترحها الأولون ثم كذبوا بها لـما أرسلت فأهلكوا واحدة وهي ناقة صالح عليه السلام، لأن ءاثار هلاكهم قريبة من حددهم يبصرها صادرهم وواردهم فقال: {وءاتينا ثمود الناقة} باقتراحهم {مبصرة} ءاية بينة {فظلموا بها} فكفروا بها {وما نرسل بالآيات} المقترحة [أي] لا نرسلها {إلا تخويفا} من نزول العذاب العاجل كالطليعة([2]) والمقدمة له، فإن لم يخافوا وقع عليهم.
{وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس} واذكر إذ أوحينا إليك أن ربك أحاط بقريش علما وقدرة، فكلهم في قبضته([3])، فلا تبال بهم وامض لأمرك وبلغ ما أرسلت به {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [هي رؤيا عين لا رؤيا منام، وهي ما أريه النبي ﷺ ليلة الإسراء، والدليل على أنها رؤيا عين أن رؤيا المنام لا فتنة فيها، وما كان أحد لينكرها]، أو بشرناك بوقعة بدر وبالنصرة عليهم، ولعل الله تعالى أراه مصرعهم في منامه فقد كان يقول حين ورد ماء بدر وهو يومئ إلى الأرض: «هذا مصرع فلان» فتسامعت قريش بما أري في منامه من مصارعهم فكانوا يضحكون ويسخرون {والشجرة الملعونة في القرءان} ما جعلنا الشجرة الملعونة في القرءان إلا فتنة للناس، فإنهم حين سمعوا بقوله: {إن شجرت الزقوم (43) طعام الأثيم} [الدخان: 43، 44] جعلوها سخرية وقالوا: إن محمدا يزعم أن الجحيم تحرق الحجارة ثم يقول: تنبت فيها الشجرة، وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ذلك، فإنه لا يمتنع أن يجعل الله الشجرة من جنس لا تأكله النار، فوبر السمندل – هو دويبة ببلاد الترك – يتخذ منه مناديل إذا اتسخت طرحت في النار، فذهب الوسخ وبقي الـمنديل سالـما لا تعمل فيه النار، وترى النعامة تبتلع الجمر فلا يضرها، فجاز أن يخلق في النار شجرة لا تحرقها ثم قال: {ونخوفهم} أي بمخاوف الدنيا والآخرة {فما يزيدهم} التخويف {إلا طغيانا كبيرا} فكيف يخاف قوم هذه حالهم بإرسال ما يقترحون من الآيات.
([1]) الـمداراة: الـملاطفة والـملاينة.
([2]) الطليعة: القوم يبعثون أمام الجيش يتعرفون طلع العدو بكسر الطاء أي خبره.
([3]) معناه كلهم في تصرفه وتحت مشيئته، والله تعالى منزه عن الأعضاء والجوارح.
- تفسير سورة الإسراء من الآية خمسين إلى ستين
