تفسير سورة الإخلاص
سورة الإخلاص
مكية عند الجمهور
وقيل مدنية، وهي أربع ءايات في الكوفي والمدنيين
والبصري، وخمس في المكي والشامي
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة الإخلاص
قل هو الله أحد (1) الله الصمد (2) لم يلد ولم يولد (3) ولم يكن له كفوا أحد (4)
- {قل هو الله أحد} [أي:] واحد لا ثاني له.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: قالت قريش: يا محمد، صف لنا ربك الذي تدعونا إليه، فنزلت يعني: سألتموني وصفه هو الله تعالى، وأحد بمعنى: واحد.
والدليل على أنه واحد من جهة العقل أن الواحد إما أن يكون في تدبير العالم وتخليقه كافيا أو لان فإن كان كافيا كان الآخر ضائعا غير محتاج إليه، وذلك نقص، والناقص لا يكون إلٰها، وإن لم يكن كافيا فهو ناقص، ولأن العقل يقتضي احتياج المفعول إلى فاعل، والفاعل الواحد كاف، وما وراء الواحد فليس عدد أولى من عدد، فيفضي ذلك إلى وجود أعداد لا نهاية لها، وذا محال، فالقول بوجود إلٰهين محال.
ولأن أحدهما إما أن يقدر على أن يستر شيئا من أفعاله عن الآخر أو لا يقدر، فإن قدر لزم كون المستور عنه جاهلا، وإن لم يقدر لزم كونه عاجزا، ولأنا لو فرضنا معدوما ممكن الوجود فإن لم يقدر واحد منهما على إيجاده كان كل واحد منهما عاجزا، والعاجز لا يكون إلٰها، وإن قدر أحدهما دون الآخر فالآخر لا يكون إلٰها، وإن قدرا جميعا، فإما أن يوجداه بالتعاون فيكون كل واحد منهما محتاجا إلى إعانة الآخر، فيكون كل واحد منهما عاجزا، وإن قدر كل واحد منهما على إيجاده بالاستقلال، فإذا أوجده أحدهما، فإما أن يبقى الثاني قادرا عليه، وهو محال، لأن إيجاد الموجود محال، وإن لم يبق فحينئذ يكون الأول مزيلا قدرة الثاني، فيكون عاجزا ومقهورا تحت تصرفه، فلا يكون إلٰها.
فإن قلت: الواحد إذا أوجد مقدور نفسه فقد زالت قدرته فيلزمكم أن يكون هذا الواحد قد جعل نفسه عاجزا.
قلنا: الواحد إذا أوجد مقدور نفسه فقد نفذت قدرته، ومن نفذت قدرته لا يكون عاجزا، وأما الشريك فما نفذت قدرته بل زالت قدرته بسبب قدرة الآخر، فكان ذلك تعجيزا.
- {الله الصمد} هو السيد الـمصمود إليه في الحوائج([1])، والمعنى: هو الله الذي تعرفونه وتقرون بأنه خالق السماوات والأرض وخالقكم، وهو واحد لا شريك له، وهو الذي يصمد إليه كل مخلوق، ولا يستغنون عنه، وهو الغني عنهم.
- {لم يلد} لأنه لا يجانس حتى تكون له من جنسه صاحبة فيتوالدا، وقد دل على هذا المعنى بقوله: {أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة} [الأنعام: 101] {ولم يولد} لأن كل مولود محدث وجسم، وهو قديم لا أول لوجوده، إذ لو لم يكن قديما لكان حادثا لعدم الواسطة بينهما([2])، ولو كان حادثا لافتقر إلى محدث، وكذا الثاني والثالث فيؤدي إلى التسلسل وهو باطل، وليس بجسم لأنه اسم للمتركب، ولا يخلو حينئذ من أن يتصف كل جزء منه بصفات الكمال فيكون كل جزء إلٰها، فيفسد القول به كما فسد بإلٰهين، أو غير متصف بها بل بأضدادها من سمات الحدوث، وهو محال.
- {ولم يكن له كفوا أحد} ولم يكافئه أحد، أي: لم يماثله.
سألوه أن يصفه لهم فأوحي إليه ما يحتوي على صفاته تعالى.
فقوله: {هو الله} إشارة إلى أن خالق الأشياء وفاطرها، وفي طي ذلك وصفه بأنه قادر عالم، لأن الخلق يستدعي القدرة والعلم([3]) لكونه واقعا على غاية إحكام واتساق وانتظام، وفي ذلك وصفه بأنه حي لأن المتصف بالقدرة والعلم لا بد وأن يكون حيا، وفي ذلك وصفه بأنه سميع بصير مريد متكلم إلى غير ذلك من صفات الكمال، إذ لو لم يكن موصوفا بها لكان موصوفا بأضدادها، وهي نقائص، وذا من أمارات الحدوث، فيستحيل اتصاف القديم بها.
وقوله: {أحد} وصف بالوحدانية ونفي الشريك، وبأنه المتفرد بإيجاد المعدومات، والمتوحد بعلم الخفيات.
وقوله: {الصمد} وصف بأنه ليس إلا محتاجا إليه، وإذا لم يكن إلا محتاجا إليه فهو غني لا يحتاج إلى أحد، ويحتاج إليه كل أحد.
وقوله: {لم يلد} نفي للشبه والمجانسة([4]).
وقوله: {ولم يولد} نفي للحدوث ووصف بالقدم والأولية.
وقوله: {ولم يكن له كفوا أحد} نفي أن يماثله شيء.
ومن زعم أن نفي الكفء – وهو الـمثل – في الماضي لا يدل على نفيه للحال، والكفار يدعونه في الحال، فقد تاه في غيه، لأنه إذا لم يكن فيما مضى لم يكن في الحال ضرورة، إذ الحادث لا يكون كفؤا للقديم. وحاصل كلام الكفرة يؤول إلى الإشراك والتشبيه والتعطيل، والسورة تدفع الكل كما قررنا([5]).
وفي الحديث: «من قرأ سورة الإخلاص فقد قرأ ثلث القرءان»([6])، لأن القرءان يشتمل على توحيد الله وذكر صفاته، وعلى الأوامر والنواهي وعلى القصص والـمواعظ، وهذه السورة قد تجردت للتوحيد والصفات، فقد تضمنت ثلث القرءان، وفيه دليل شرف علم التوحيد، وكيف لا يكون كذلك، والعلم يشرف بشرف المعلوم ويتضع بضعته([7])، ومعلوم هذا العلم هو الله وصفاته وما يجوز عليه، وما لا يجوز عليه، فما ظنك بشرف منزلته وجلالة محله([8])؟!
اللهم احشرنا في زمرة العالمين بك، العاملين لك، الراجين لثوابك، الخائفين من عقابك، الـمكرمين بلقائك، وسمع رسول الله ﷺ رجلا يقرأ: {قل هو الله أحد}، فقال: «وجبت»، فقيل: يا رسول الله ما وجبت؟ قال: «وجبت له الجنة»([9]).
([2]) فلا يوجد شيء لا قديم ولا محدث. الموجود موجود موجد غير موجد – أي لم يسبقه عدم – وهو الله تعالى وحده، وموجود موجد غير موجد وهو كل ما سوى الله تعالى.
([3]) أي: يجب للخالق أن يكون متصفا بالقدرة والعلم.
([4]) فلا أزلي وأبدي سواه سبحانه، ولا يشبهه أحد في أي صفة من صفاته.
([5]) فقوله تعالى: {قل هو الله} رد على المعطلة الذين ينكرون الخالق، وقوله: {أحد} رد على المشركين، وقوله: الصمد} إلى ءاخر السورة رد على المشبهة.
([6]) ليس معنى الحديث أنها تعدل ثلث القرءان من جميع الوجوه، فمن نذر أن يقرأ ثلث القرءان لا يجزئه أن يقرأ سورة الإخلاص عن نذره، وليس من قرأ ثلث القرءان بالفعل حقيقة من حيث المشقة والثواب والمضاعفة في الثواب كمن قرأ سورة الإخلاص، وإنما التشبيه من حيث عظيم الثواب لمن قرأها حيث تشتمل على التوحيد والصفات كعظيم ثواب من قرأ ثلث القرءان.
([7]) الضعة: الذل والهوان والدناءة، نقيض الشرف والرفعة.
([8]) أي: عظم مكانة هذا العلم.
([9]) أي: ثبتت له الجنة وتحققت، وعبر بالـمضي مبالغة في تحقق حصول ذلك.
