الأحد مارس 1, 2026

تفسير سورة الإخلاص
بسمِ اللهِ والحمْدُ للهِ وصلّى اللهُ وسلّمَ على سيِّدِنا محمّدٍ رسولِ اللهِ وعلى ءالِهِ وصحبِهِ الطيِّبينَ الطّاهِرينَ ومَنْ والاهُ. اللهُمَّ لا سَهْلَ إلّا ما جَعَلْتَهُ سَهْلًا وأنْتَ تَجْعَلُ الحَزْنَ إذا شِئْتَ سَهْلًا، اللهُمَّ ارْزُقنا الإخلاصَ في القوْلِ والعمَلِ والنِّـيَّـة.
أمّا بعدُ أحْبابي، يقولُ اللهُ تباركَ وتعالى في القرآنِ الكريمِ: بسمِ اللهِ الرَّحيمِ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)}
هذهِ السّورة قالَ عنها سيِّدُ العالَمين سيِّدُنا محمّد صلّى اللهُ عليه وسلّم: “مَنْ قرَأَها مرّة كانَ كَمَنْ قرَأَ ثُلُثَ القرْآن”، لكَ ثوابٌ يُشْبِهُ ثوابَ مَنْ قرَأَ ثُلُثَ القرآن. ومَنْ قرأها ثلاثًا كانَ كَمَنْ قرأَ القرآنَ كُلَّهُ.
وهذهِ السّورة كانَ أحدُ الصّحابةِ كُلَّما وقَفَ إمَامًا بعدَ الفاتِحةِ يقرَأُ هذهِ السّورة. فبَعضُ الصّحابةِ قالوا لِرسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم بأنَّ هذا الرّجل يُكْثِرُ منها، فقالَ “سَلوهُ لِمَ يُكَرِّرُها؟” فقالَ هذا الرَّجل: أنا أُحِبُّها، فيها صِفةُ ربِّي عزَّ وجلَّ. فقالَ لهم رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم: “وقولوا لهُ إنَّ اللهَ يُحِبُّكَ لِحُبِّها”.
سبَب نُزولِها على الرّسولِ عليهِ الصّلاةُ والسّلامُ، جاءَهُ وفدٌ قالوا لهُ: صِفْ لَنا رَبَّكَ الذي تَعْبُدُهُ – يعني صِفْ لنا رَبَّكَ الذي تَدْعو لِعِبادَتِهِ – فنَزَلَتْ هذهِ السّورة، “قلْ” أيْ يا محمّد قلْ لهم: إنَّ ربِّيَ الذي أَعْبُدُهُ أحَد، والأحد معناهُ الواحِدُ الذي لا شَريكَ لهُ وليسَ جِسْمًا، اللهُ لا يَقْبَلُ الانْقِسامَ، ليسَ حجمًا، لا يُشْبِهُ شيئًا، لا مَثيلَ لهُ ولا شَبيهَ، تباركَ وتعالى.
لذلكَ سيِّدُنا بلال مُؤَذِّنُ الرّسولِ عليهِ الصّلاةُ والسّلامُ لمَّا كانَ ما زالَ عبدًا مَمْلوكًا وعَرَفوا أنَّهُ أسْلَمَ ماذا فَعَلوا به؟ وضَعوا الصَّخرةَ على صَدْرِهِ وصاروا يَضْرِبونَهُ لِيَكْفُرَ باللهِ، يقولونَ لهُ: قُلْ هُبَل، قلِ اللات، قلْ عُزّى، وهوَ يقولُ: أحدٌ أحد أحدٌ أحد. قالوا ألا تعلَمُ غيرَها يا بلال؟ قالَ لوْ كنْتُ أعلَمُ غَيرَها تُغيظُكُمْ مِثْلَها لَقُلْتُها أحَدٌ أحَد أحَدٌ أحَد.
“اللهُ الصَّمَد”، ما معنى الصّمَد؟ القَيُّوم، ما معنى القيّوم؟ الغَنيّ الذي لا يحتاجُ إلى شَىءٍ. فالسّماءُ تحتاجُ إلى اللهِ، اللهُ غَنِيٌّ عنها لا يَسْكُنُها. العرشُ يَحتاجُ إلى اللهِ، اللهُ لا يحتاجُ إليه. خلقَ الأماكِنَ ولا يحتاجُ إليها كانَ قبْلَها وبعدَ أنْ خلَقَها ما تَغَيَّرَ، سبْحانَ الذي يُغَيِّرُ ولا يتَغَيَّر.
لَمْ يَلِدْ ولَمْ يولَد، ليسَ لهُ أصل وليسَ لهُ فَرع، ليسَ لهُ أب وليسَ له ابن، فإذًا اللهُ تعالى مُنَزَّهٌ عنِ الحُلولِ. قالَ سيِّدُنا مُحْيي الدّين بنُ عربيّ رضيَ اللهُ عنهُ وأرْضاهُ عالِمٌ مِنْ عُلَماءِ بلادِ الشامِ، هذا العالِمُ قالَ: “مَنْ قالَ بالحُلولِ فَدينُهُ مَعْلولٌ (باطلٌ) وما قالَ بالاتِّحادِ إلّا أهلُ الإلْحادِ” يعني الذي يقولُ بالحُلولِ كالذي يقولُ إنَّ اللهَ مثلُ السُّكَّر يَحُلُّ في الماءِ، قالوا إنَّ اللهَ يَحُلُّ في العالَمِ أوْ في شيخٍ أوْ في شخصٍ، هذا يُخْرِجُ منَ الإسلامِ.
وأمّا عقيدةُ الوَحدةِ أو الاتِّحادِ يقولون اللهُ هوَ العالَمُ وأنتَ جُزءٌ منَ العالَمِ فأنْتَ جُزْءٌ منَ اللهِ، والعِياذُ باللهِ. هاتانِ العقيدَتانِ مِنْ أبْشَعِ الكفرِ، نسألُ اللهَ تعالى السّلامة.
“لمْ يَلِدْ ولمْ يولَدْ ولَمْ يَكُنْ لهُ كُفُوًا أحد”: ما هوَ الكُفُو؟ الشَّبيهُ والمَثيلُ، ولمْ يَكُنْ لهُ شبيهًا أحد. هذهِ السّورة تلاها عليهمُ الرّسولُ صلّى اللهُ عليهِ وسلّم وقالَ لهُمْ: “هذهِ صِفةُ ربّي عزَّ وجلّ”.
فماذا نأخُذُ أيضًا مِنْ هذهِ القصّة وَمِنْ هذهِ الحادِثة؟ أنَّهُ يجوزُ تَعليمُ صِفاتِ اللهِ تبارَكَ وتعالى. صِفاتُ اللهِ عَلَّمَها الرّسولُ لِهؤلاءِ المُعانِدينَ ومَعَ ذلِكَ قالَ لهمْ هذهِ العِبارة الواضِحة “هذهِ صِفةُ ربّي عزَّ وجلّ”.
نسألُ اللهَ تعالى أنْ يُثَبِّتَنا على عقيدةِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ وأنْ يَخْتِمَ لنا علَيها وآخِرُ دَعْوانَا أنِ الحَمْدُ للهِ ربِّ العالَمين.