تفسير سورة الأنفال من الآية واحد وستين إلى سبعين
- تفسير سورة الأنفال من الآية واحد وستين إلى سبعين
وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم (61) وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين (62) وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم (63) يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين (64) يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون (65) الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين (66) ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم (67) لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم (68) فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم (69) يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم (70) - {وإن جنحوا} مالوا {للسلم} للصلح {فاجنح لها} فمل إليها {وتوكل على الله} ولا تخف من إبطانهم الـمكر في جنوحهم إلى السلم، فإن الله كافيك وعاصمك من مكرهم {إنه هو السميع} لأقوالك {العليم} بأحوالك.
- {وإن يريدوا أن يخدعوك} يمكروا ويغدروا {فإن حسبك الله} كافيك الله {هو الذي أيدك} قواك {بنصره وبالمؤمنين} جميعا، أو بالأنصار.
- {وألف بين قلوبهم} قلوب الأوس والخزرج بعد تعاديهم مائة وعشرين سنة {لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم} بلغت عداوتهم مبلغا لو أنفق منفق في إصلاح ذات بينهم ما في ا لأرض من الأموال لم يقدر عليه {ولكن الله ألف بينهم} بفضله ورحمته فأحدث بينهم التواد والتحاب، وأماط عنهم التباغض والتماقت {إنه عزيز} يقهر من يخدعونك {حكيم} ينصر من يتبعونك.
- {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} كفاك وكفى أتباعك من المؤمنين الله ناصرا.
- {يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال} التحرض: المبالغة في الحث على الأمر {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا} هذه عدة من الله وبشارة بأن الجماعة من المؤمنين إن صبروا غلبوا عشرة أمثالهم من الكفار بعون الله وتأييده {بأنهم قوم لا يفقهون} بسبب أن الكفار قوم جهلة يقاتلون على غير احتساب وطلب ثواب كالبهائم، فيقل ثباتهم ويعدمون لجهلهم بالله نصرته، بخلاف من يقاتل على بصيرة وهو يرجو النصر من الله.
قيل: كان عليهم ألا يفروا ويثبت الواحد للعشرة، ثم ثقل عليهم ذلك فنسخ وخفف عنهم بمقاومة الواحد الاثنين بقوله:
- {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} والمراد الضعف في البدن، [وليس المراد بالآية أن الله تعالى لم يكن يعلم في الأزل أنه سيلحقهم ضعف إنما حدث له بعد ذلك علم ذلك؛ لأن هذا فيه نسبة الجهل إلى الله تعالى، والله تعالى لم يزل عالـما بذاته وصفاته وما يحدثه من مخلوقاته، فلا يتصف بعلم حادث لأنه لو جاز اتصافه بالحوادث لانتفى عنه القدم، لأن ما كان محلا للحوادث لا بد أن يكون حادثا، بل المعنى أن الله تعالى خفف عنكم الآن لأنه علم بعلمه الأزلي أنكم تضعفون عن المثابرة على مقاتلة الواحد عشرة من الكفار، فقوله تعالى: {وعلم} ليس راجعا إلى قوله: {الآن} بل {الآن} مرتبط بقوله: {خفف} فقط أي علم بعلمه الأزلي أنه يكون فيكم ضعف فخفف عنكم الآن]. {فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مئتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين} وتكرير مقاومة الجماعة لأكثر منها مرتين قبل التخفيف وبعده للدلالة على أن الحال مع القلة والكثرة لا تتفاوت.
- {ما كان لنبي} ما صح له ولا استقام {أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} الإثخان: كثرة القتل والمبالغة فيه، من الثخانة وهي الغلظ والكثافة حتى يذل الكفر بإشاعة القتل في أهله، ويعز الإسلام بالاستيلاء والقهر، ثم الأسر بعد ذلك، روي أن رسول الله ﷺ أتي بسبعين أسيرا فيهم العباس عمه وعقيل [أخ سيدنا علي رضي الله عنه] فاستشار النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه [فاختلفوا بين القتل وأخذ الفداء، فاختار الرسول الفداء بعدما خيره جبريل بين أخذ الفداء والقتل([1]) ولم يكن ذلك لمن سبقه من الأنبياء، ثم نزل]: {تريدون عرض الدنيا} متاعها يعني الفداء، سماه عرضا لقلة بقائه وسرعة فنائه، [ولم يقل: «تريد» خطابا للنبي ﷺ بل خاطب الناس، وليس بخطاب للكل أيضا فإن أبا بكر ومن كان بمثل حاله ما أشاروا إلى أخذ الفداء رغبة في الدنيا بل رجاء إسلامهم والأقلون منهم رغبوا في المال فعوتبوا] {والله يريد الآخرة} ما هو سبب الجنة من إعزاز الإسلام بالإثخان في القتل {والله عزيز} يقهر الأعداء {حكيم} في عتاب الأولياء.
- {لولا كتاب من الله سبق} [بإحلال الغنائم والأسرى لكم] {لمسكم} لنالكم وأصابكم {فيما أخذتم} من فداء الأسرى {عذاب عظيم}.
- {فكلوا مما غنمتم} قد أحللت لكم الغنائم [التي كانت محرمة على الأمم قبلكم] فكلوا {حلالا طيبا} مطلقا عن العتاب والعقاب {واتقوا الله} فلا تقدموا على شيء لم يعهد إليكم فيه {إن الله غفور} [لذنوب أهل الإيمان من عباده] {رحيم} [بهم أن يعاقبهم بعد توبتهم].
{يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى} جمع أسير {إن يعلم الله في قلوبكم خيرا} خلوص إيمان وصحة نية {يؤتكم خيرا مما أخذ منكم} من الفداء، إما أن يخلفكم في الدنيا أضعافه أو يثيبهم في الآخرة {ويغفر لكم والله غفور رحيم}.
([1]) روى ذلك الترمذي في سننه في كتاب السير باب ما جاء في قتل الأسارى والفداء، والنسائي في السنن الكبرى، وابن حبان في صحيحه والبيهقي في سننه، والحاكم في المستدرك، والبزار في مسنده، وقال القاضي عياض في الشفا: «وأما قوله في أسارى بدر: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى} الآيتين فليس فيه إلزام ذنب للنبي ﷺ، بل فيه بيان ما خص فيه وفضل من بين سائر الأنبياء فكأنه قال: ما كان هذا لنبي غيرك».
