تفسير سورة الأنفال من الآية واحد إلى عشرة
تفسير سورة الأنفال من الآية واحد إلى عشرة
يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين (1) إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون (2) الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم (4) كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون (5) يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون (6) وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين (7) ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون (8) إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين (9) وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم (10)- {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول} النفل: الغنيمة لأنها من فضل اله وعطائه، والأنفال: الغنائم، ولقد وقع اختلاف بين المسلمين في غنائم بدر وفي قسمتها، فسألوا رسول الله ﷺ كيف تقسم؟ ولمن الحكم في قسمتها للمهاجرين أم للأنصار أم لهم جميعا؟ فقيل له: قل لهم هي لرسول الله، وهو الحاكم فيها خاصة، يحكم ما يشاء ليس لأحد غيره فيها حكم [يقسمها على ما يأمره الله به، فقسمها بينهم على السواء] {فاتقوا الله} في الاختلاف والتخاصم، وكونوا متآخين في الله {وأصلحوا ذات بينكم} ما بينكم من الأحوال حتى تكون أحوال ألفة ومحبة واتفاق {وأطيعوا الله ورسوله} فيما أمرتم به في الغنائم وغيرها {إن كنتم مؤمنين} كاملي الإيمان.
- {إنما المؤمنون} إنما الكاملو الإيمان {الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} فزعت لذكره استعظاما له وتهيبا من جلاله وعزه وسلطانه {وإذا تليت عليهم ءاياته} أي القرءان {زادتهم إيمانا} ازدادوا بها يقينا وطمأنينة {وعلى ربهم يتوكلون} يعتمدون ولا يفوضون أمورهم إلى غير ربهم، لا يخشون ولا يرجون إلا إياه.
- {الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} جمع بين أعمال القلوب من الوجل والإخلاص والتوكل وبين أعمال الجوارح من الصلاة والصدقة.
- {أولئك هم المؤمنون حقا} إيمانا حقا {لهم درجات} مراتب بعضها فوق بعض على قدر الأعمال {عند ربهم ومغفرة} وتجاوز لسيئاتهم {ورزق كريم} صاف عن كد الاكتساب وخوف الحساب.
- {كما أخرجك ربك} التقدير: قل: الأنفال استقرت لله والرسول وثبتت مع كراهتهم ثباتا مثل ثبات إخراج ربك إياك من بيتك وهم كارهون {من بيتك} يريد بيته بالمدينة {بالحق} إخراجا متلبسا بالحكمة والصواب {وإن فريقا من المؤمنين لكارهون} أي أخرجك في حال كراهتهم، وذلك أن عير قريش أقبلت من الشام فيها تجارة عظيمة ومعها أربعون راكبا منهم أبو سفيان، فأخبر جبريل النبي ﷺ، فأخبر أصحابه، فأعجبهم تلقي العير لكثرة الخير وقلة القوم، فلما خرجوا علمت قريش بذلك، فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة فقيل له: إن العير أخذت طريق الساحل ونجت، فأبى وسار بمن معه إلى بدر، وهو ماء كانت العرب تجتمع فيه لسوقهم يوما في السنة، ونزل جبريل عليه السلام فقال: يا محمد، إن الله وعدكم إحدى الطائفتين إما العير وإما قريشا، فاستشار النبي ﷺ أصحابه، وقال: «العير أحب إليكم أم النفير؟» قالوا: بل العير أحب إلينا من لقاء العدو، فتغير وجه رسول الله ﷺ ثم ردد عليهم فقال: «إن العير قد مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل» فقالوا: يا رسول الله عليك بالعير ودع العدو، فقام عند غضب النبي أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فأحسنا([1])، ثم قام سعد بن عبادة فقال: انظر أمرك فامض فوالله لو سرت إلى «عدن أبين» ما تخلف عنك رجل من الأنصار، ثم قال الـمقداد بن عمرو: امض لما أمرك الله فإنا معك حيث أحببت، لا نقول كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هٰهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا([2]) إنا معكما مقاتلون([3]) ما دامت عين منا تطرف([4])، فضحك رسول الله ﷺ، وقال سعد بن معاذ: امض يا رسول الله لما أردت فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، فسر بنا على بركة الله ففرح رسول الله ﷺ ثم قال: «سيروا على بركة الله، أبشروا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن انظر إلى مصارع القوم»، وكانت الكراهة من بعضهم لقوله: {وإن فريقا من المؤمنين لكارهون} [الأنفال: 5] قال الشيخ أبو منصور: يحتمل أنهم منافقون كرهوا ذلك اعتقادا، ويحتمل أن يكونوا مخلصين وأن يكون ذلك كراهة طبع، لأنهم غير متأهبين له.
- {يجادلونك في الحق} الحق الذي جادلوا فيه رسول الله ﷺ: تلقي النفير لإيثارهم عليه تلقي العير {بعدما تبين} بعد إعلام رسول الله ﷺ بأنهم ينصرون، وجدالهم قولهم: ما كان خروجنا إلا للعير وهلا قلت لنا لنستعد، وذلك لكراهتهم القتال {كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون} شبه حالهم في فرط فزعهم وهم يسار بهم إلى الظفر والغنيمة بحال من يعـتل([5]) إلى القتل ويساق على الصغار([6]) إلى الموت، وهو مشاهد لأسبابه ناظر إليها لا يشك فيها، وقيل: كان خوفهم لقلة العدد وأنهم كانوا رجالة([7]) وما كان فيهم إلا فارسان([8]).
- {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم} وهما العير والنفير {وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم} أي العير، وذات الشوكة ذات السلاح، والشوكة كانت في النفير لعددهم وعدتهم، أي تتمنون أن تكون لكم العير لأنها الطائفة التي لا سلاح لها، ولا تريدون الطائفة الأخرى {ويريد الله أن يحق الحق} يثبته ويعليه {بكلماته} بآياته المنزلة في محاربة ذات الشوكة، وبما أمر الملائكة من نزولهم للنصرة، وبما قضى من قتلهم وطرحهم في قليب([9]) بدر {ويقطع دابر الكافرين} ءاخرهم، يعني أنكم تريدون الفائدة العاجلة وسفساف([10]) الأمور والله تعالى يريد معالي الأمور ونصرة الحق وعلو الكلمة، وشتان ما بين الـمرادين، ولذلك اختار لكم الطائفة ذات الشوكة، وكسر قوتهم بضعفكم وأعزكم وأذلهم.
- {ليحق الحق ويبطل الباطل} وهو إثبات الإسلام وإبطال الكفر ومحقه {ولو كره المجرمون} المشركون ذلك.
- {إذ تستغيثون ربكم} واستغاثتهم أنهم لما علموا أنه لا بد من القتال، طفقوا يدعون الله يقولون: ربنا انصرنا على عدوك {فاستجاب لكم} فأجاب {أني ممدكم} بأني ممدكم {بألف من الملائكة مردفين} [أي مردف] كل ملك ملكا ءاخر، ويقال: ردفه إذا تبعه، [وقيل {مردفين}: متتابعين، وقيل: ممدين للمؤمنين].
([2]) أي: اذهب فقاتلهم وربك يعينك، أو قاتلهم منتصرا بربك.
([3]) معناه إنا منفذون مطيعون لأمر الله تعالى وأمرك مقاتلون بين يديك.
([4]) يقال طرفت عينه فهي تطرف طرفا إذا حركت جفونها بالنظر، ويقال عين تطرف، وهو كناية عن الحياة.
([7]) رجالة: جمع راجل، وهو الماشي.
([8]) هما الزبير بين العوام والمقداد بن الأسود رضي الله عنهما.
