تفسير سورة الأنفال من الآية أحد عشر إلى عشرين
- تفسير سورة الأنفال من الآية أحد عشر إلى عشرين
إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام (11) إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان (12) ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب (13) ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار (14) يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار (15) ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير (16) فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم (17) ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين (18) إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين (19) يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون (20) - {إذ يغشيكم النعاس} النوم {أمنة} إذ تنعسون أمنة أي لأمنكم، فالنوم يزيح الرعب ويريح النفس {منه} أي أمنة حاصلة لكم من الله {وينزل عليكم من السماء ماء} مطرا {ليطهركم به} بالماء من الحدث والجنابة {ويذهب عنكم رجز الشيطان} وسوسته إليهم وتخويفه إياهم من العطش، أو الجنابة من الاحتلام، وقد وسوس إليهم ألا نصرة مع الجنابة {وليربط على قلوبكم} بالصبر {ويثبت به الأقدام} بالماء، إذ الأقدام كانت تسوخ([1]) في الرمل، أو في مواطن القتال.
- {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم} بالنصر {فثبتوا الذين ءامنوا} بالبشرى، وكان الـملك يسير أمام الصف في صورة رجل ويقول: أبشروا فإن الله ناصركم {سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب} هو امتلاء القلب من الخوف {فاضربوا} أمر للمؤمنين أو الملائكة {فوق الأعناق} أعالي الأعناق التي هي المذابح {واضربوا منهم كل بنان} هي الأصابع يريد الأطراف.
- {ذلك} إشارة إلى ما أصابهم من الضرب والقتل والعقاب العاجل {بأنهم شاقوا الله ورسوله} ذلك العقاب وقع عليهم بسبب مشاقتهم أي مخالفتهم {ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب}.
- {ذلكم} العقاب {فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار} ذوقوا هذا العذاب العاجل مع الآجل الذي لكم في الآخرة.
- {يا أيها الذين ءامنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا} الزحف: الجيش الذي يرى لكثرته كأنه يزحف {فلا تولوهم الأدبار} فلا تنصرفوا عنهم منهزمين، أي إذا لقيتموهم للقتال وهم كثير وأنتم قليل فلا تفروا.
- {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا} مائلا {لقتال} هو الكر بعد الفر، يخيل عدوه أنه منهزم ثم يعطف عليه، وهو من خدع الحرب {أو متحيزا} منضما {إلى فئة} إلى جماعة من المسلمين سوى الفئة التي هو فيها {فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير}.
ولـما كسروا أهل مكة وقتلوا وأسروا، وكان القاتل منهم يقول تفاخرا: قتلت وأسرت قيل لهم:
- {فلم تقتلوهم} [بقوتكم] {ولكن الله قتلهم} [بنصركم وإلقاء الرعب في قلوبهم]، ولما قال جبريل للنبي ﷺ: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فرمى بها وجوههم وقال: «شاهت الوجوه»، فلم يبق مشرك إلا شغل بعينه فانهزموا {وما رميت} يا محمد {إذ رميت ولكن الله رمى} يعني أن الرمية التي رميتها أنت لم ترمها على الحقيقة، ولكنها كانت رمية الله حيث أثرت ذلك الأثر العظيم، وفي الآية بيان أن فعل العبد مضاف إليه كسبا وإلى الله تعالى خلقا، لأنه أثبت الفعل من العبد بقوله: {إذ رميت} ثم نفاه عنه وأثبته لله تعالى بقوله: {ولكن الله رمى} {وليبلي المؤمنين} وليعطيهم {منه بلاء حسنا} عطاء جميلا، المعنى وللإحسان إلى المؤمنين فعل ما فعل {إن الله سميع} لدعائهم {عليم} بأحوالهم.
- {ذلكم} إشارة إلى البلاء الحسن {وأن الله موهن كيد الكافرين} المراد إبلاء المؤمنين وتوهين كيد الكافرين.
- {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} إن تستنصروا فقد جاءكم النصر عليكم، وهو خطاب لأهل مكة لأنهم حين أرادوا أن ينفروا تعلقوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم إن كان محمد على حق فانصره، وإن كنا على الحق فانصرنا {وإن تنتهوا} عن عداوة رسول الله ﷺ {فهو} أي الانتهاء {خير لكم} وأسلم {وإن تعودوا} لمحاربته {نعد} لنصرته عليكم {ولن تغني عنكم فئتكم} جمعكم {شيئا ولو كثرت} عددا {وأن الله مع المؤمنين} ولأن الله مع المؤمنين بالنصر كان ذلك.
{يا أيها الذين ءامنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه} عن رسول الله ﷺ، لأن المعنى أطيعوا رسول الله لأن طاعة الرسول وطاعة الله شيء واحد {من يطع الرسول فقد أطاع الله} [النساء: 80] {وأنتم تسمعون} وأنتم تسمعونه، أو لستم كالصم المكذبين من الكفرة.
- تفسير سورة الأنفال من الآية أحد عشر إلى عشرين
