تفسير سورة الأنعام من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
- تفسير سورة الأنعام من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين (71) وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون (72) وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير (73) وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين (74) وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين (75) فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين (76) فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين (77) فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون (78) إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين (79) وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون (80) - {قل} لأبي بكر يقل لابنه عبد الرحمٰن – وكان يدعو أباه إلى عبادة الأوثان-: {أندعو} أنعبد {من دون الله} الضار النافع {ما لا ينفعنا} ما لا يقدر على نفعنا إن دعوناه {ولا يضرنا} إن تركناه {ونرد} وأنرد {على أعقابنا} راجعين إلى الشرك {بعد إذ هدانا الله} للإسلام وأنقذنا من عبادة الأصنام {كالذي استهوته الشياطين} كالذي ذهبت به الغيلان ومردة الجن {في الأرض} الـمهمة([1]) {حيران} تائها ضالا عن الجادة لا يدري كيف يصنع، {له} لهذا المستهوى أ{صحاب} رفقة {يدعونه إلى الهدى} إلى أن يهدوه الطريق. سمي الطريق المستقيم بالهدى، يقولون له: {ائتنا} وقد اعتسف([2]) الـمهمه تابعا للجن لا يجيبهم ولا يأتيهم {قل إن هدى الله} وهو الإسلام {هو الهدى} وحده وما وراءه ضلال {وأمرنا} كأنه قيل: قل هذا القول وقل: أمرنا {لنسلم لرب العالمين} والتقدير: أمرنا لأن نسلم.
- {وأن أقيموا الصلاة} وأمرنا لإقامة الصلاة {واتقوه وهو الذي إليه تحشرون} يوم القيامة.
- {وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق} بالحكمة، [أي لم يخلقهما باطلا ولا عبثا، بل صدرا عن حكمة وصواب، وليستدل بها على وجود الصانع، أي أن هذه المخلوقات العظيمة الظاهر عليها سمات الحدوث لا بد لها من صانع واحد عالم قادر مريد وهو الله جل وتعالى] {ويوم يقول كن فيكون} [هذا تمثيل لإخراج الشيء من العدم إلى الوجود، وسرعة وجوده من غير تأخير ولا تمنع، لا أن ثم شيئا يؤمر، وإنما المعنى أن ما قضاه سبحانه وتعالى من الأمور وأراد كونه فإنما يتكون ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف] {قوله الحق} المعنى أنه خلق السموات والأرض بالحق والحكمة، أي لا يكون شيئا من السمٰوات والأرض وسائر المكونات إلا عن احكم وصواب. {وله الملك يوم ينفخ في الصور} هو القرن بلغة اليمن [وتخصيص الملك له بذلك اليوم كتخصيصه بقوله: {والأمر يومئذ له} [الانفطار: 19] وفائدته الإخبار بانفراده بالملك حين لا يمكن أن يدعى ملك] {عالم الغيب والشهادة} هو عالم السر والعلانية {وهو الحكيم} في الإفناء والإحياء {الخبير} بالحساب والجزاء.
- {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر} هو اسم أبيه أو لقبه {أتتخذ أصناما ءالهة} أتتخذها ءالهة وهي لا تستحق الإلٰهية؟! {إني أراك وقومك في ضلال مبين} [في ضلال عن الحق بين ظاهر].
- {وكذلك} وكما أريناه قبح الشرك {نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض} نري بصيرته لطائف خلق السماوات والأرض، قال مجاهد: فرجت له السماوات السبع فنظر إلى ما فيهن حتى انتهى نظره إلى العرش، وفرجت له الأرضون السبع حتى نظر إلى ما فيهن. {وليكون من الموقنين} عيانا كما أيقن بيانا.
- {فلما جن عليه الليل} أظلم {رأى كوكبا} أي الزهرة أو المشتري، وكان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب، فأراد أن ينبههم على الخطأ في دينهم، وأن يرشده إلى طريق النظر والاستدلال، ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤد إلى أن شيئا منها ليس بإلٰه لقيام دليل الحدوث فيها وأن لها محدثا أحدثها ومدبرا دبر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها، فلما رأى الكوكب الذي كانوا يعبدونه {قال هذا ربي} قال لهم: هذا ربي في زعمكم، أو المراد: أهذا [ربي]؟ استهزاء بهم وإنكارا عليهم، والعرب تكتفي عن حرف الاستفهام بنغمة الصوت، {فلما أفل} غاب {قال لا أحب الآفلين} لا أحب عبادة الأرباب [المزعومين] المتغيرين من حال إلى حال، لأن ذلك من صفات الأجسام.
- {فلما رأى القمر بازغا} مبتدئا في الطلوع {قال هذا ربي} [أي: على زعمكم؟!] {فلما أفل} [أي: غاب] {قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين} نبه قومه على أن من اتخذ القمر إلٰها فهو ضال، وإنما احتج عليهم بالأفول دون البزوغ، وكلاهما انتقال من حال إلى حال لأن الاحتجاج به أظهر، لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب.
- {فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون} من الأجرام التي تجعلونها شركاء لخالقها.
- {إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض} للذي دلت هذه المحدثات على أنه منشئها {حنيفا} مائلا عن الأديان كلها إلى الإسلام {وما أنا من المشركين} بالله شيئا من خلقه.
{وحاجه قومه} في توحيد الله تعالى ونفي الشركاء عنه {قال أتحاجوني في الله} في توحيده {وقد هدان} إلى التوحيد {ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا} لا أخاف معبوداتكم في وقت قط، لأنها لا تقدر على منفعة ولا مضرة إلا إذا شاء ربي أن يصيبني منها بضر فهو قادر على أن يجعل فيما شاء نفعا وفيما شاء ضرا لا الأصنام {وسع ربي كل شيء علما} فلا يصيب عبدا شيء من ضر أو نفع إلا بعلمه {أفلا تتذكرون} فتميزوا بين القادر والعاجز.
- تفسير سورة الأنعام من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
