تفسير سورة الأنعام من الآية واحد إلى عشرة
تفسير سورة الأنعام من الآية واحد إلى عشرة
الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون (1) هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون (2) وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون (3) وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (4) فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون (5) ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (6) ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين (7) وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون (8) ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون (9) ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون (10)- {الحمد لله} الحمد له [تعالى ثابت على أفعاله كلها، ونعمه كلها] وإن لم تحمدوه {الذي خلق السماوات} [بغير عمد من تحتها ولا علاقة من فوقها] {والأرض وجعل الظلمات والنور} بمعنى أحدث وأنشأ، [أي خلق ذلك كله] {ثم الذين كفروا} بعد هذا البيان {بربهم يعدلون} على معنى أنه خلق ما خلق مما لا يقدر عليه أحد سواه، ثم هم يعدلون به ما لا يقدر على شيء منه.
- {هو الذي خلقكم من طين} ابتدأ خلق أصلكم – يعني ءادم – منه {ثم قضى أجلا} أي حكم أجل الموت {وأجل مسمى عنده} أجل القيامة {ثم أنتم تمترون} استبعاد أن يمتروا [بمعنى أن يشكوا] فيه بعدما ثبت أنه محييهم ومميتهم وباعثهم.
- {وهو الله في السماوات وفي الأرض} وهو المعبود فيهما، [أو المستحق للعبادة فيهما وحده] {يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون} من الخير والشر، ويثيب عليه ويعاقب.
- {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم} أي وما يظهر لهم دليل قط من الأدلة التي يجب فيها النظر والاعتبار {إلا كانوا عنها معرضين} تاركين للنظر لا يلتفتون إليه، لقلة خوفهم وتدبرهم في العواقب.
- {فقد كذبوا} إن كانوا معرضين عن الآيات فقد كذبوا {بالحق لما جاءهم} بما هو أعظم ءاية وأكبرها هو القرءان الذي تحدوا به فعجزوا عنه {فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤون} أي أنباء الشيء الذي كانوا به يستهزؤون، وهو القرءان أي أخباره وأحواله وذلك عند إرسال العذاب عليهم في الدنيا، أو يوم القيامة.
- {ألم يروا} يعني المكذبين {كم أهلكنا من قبلهم من قرن} هو مدة انقضاء أهل كل عصر وهو ثمانون سنة أو سبعون([1]) {مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم} التمكين في البلاد إعطاء الـمكنة، والمعنى: لم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا عادا وثمود وغيرهم من البسطة في الأجسام والسعة في الأموال والاستظهار بأسباب الدنيا {وأرسلنا السماء} المطر {عليهم مدرارا} كثيرا {وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم} من تحت أشجارهم، والمعنى: عاشوا في الخصب بين الأنهار والثمار وسقيا الغيث الـمدرار {فأهلكناهم بذنوبهم} ولم يغن ذلك عنهم شيئا {وأنشأنا من بعدهم قرنا ءاخرين} بدلا منهم.
- {ولو نزلنا عليك كتابا} مكتوبا {في قرطاس} في ورق {فلمسوه بأيديهم} هو للتأكيد {لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين} تعنتا وعنادا للحق بعد ظهوره.
- {وقالوا لولا} هلا {أنزل عليه} على النبي ﷺ {ملك} يكلمنا أنه نبي، فقال الله: {ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر} لقضي أمر هلاكهم {ثم لا ينظرون} لا يمهلون بعد نزوله طرفة عين، لأنم إذا شاهدوا ملكا في صورته زهقت أرواحهم من هول ما يشاهدون.
- {ولو جعلناه ملكا} ولو جعلنا الرسول ملكا كما اقترحوا، لأنهم كانوا تارة يقولون: لولا أنزل على محمد ملك، وتارة يقولون: {ما هٰذا إلا بشر مثلكم} [المؤمنون: 24] و{لو شاء ربنا لأنزل ملائكة} [فصلت: 14] {لجعلناه رجلا} لأرسلناه في صورة رجل كما كان جبريل عليه السلام ينزل على رسول الله ﷺ في أعم الأحوال في صورة دحية([2]) {وللبسنا عليهم ما يلبسون} ولخلطنا وأشكلنا عليهم من أمره إذ كان سبيله كسبيلك يا محمد، فإنهم يقولون إذا رأوا الـملك في صورة الإنسان: هذا إنسان وليس بملك.
ثم سلى نبيه على ما أصابه من استهزاء قومه بقوله:
{ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤون} فأحاط بهم الشيء الذي كانوا يستهزؤون به وهو الحق، حيث أهلكوا من أجل استهزائهم به.([1]) وعلى قول القرن مائة سنة كما نقل أبو حيان ذلك في تفسيره عن الجمهور، وقال القرطبي: «وعليه أكثر أصحاب الحديث أن القرن مائة سنة، واحتجوا بأن النبي ﷺ قال لعبد الله بن بسر: «تعيش قرنا» فعاش مائة سنة.
([2]) هو دحية بن خليفة الكلبي الصحابي، وكان من أجمل الناس يضرب به المثل في حسن الصورة.
