تفسير سورة الأنعام من الآية مئة وواحد وثلاثين إلى مئة وأربعين
- تفسير سورة الأنعام من الآية مئة وواحد وثلاثين إلى مئة وأربعين
ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون (131) ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون (132) وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين (133) إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين (134) قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون (135) وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون (136) وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون (137) وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون (138) وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم (139) قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين (140) - {ذلك} إشارة إلى ما تقدم من بعثه الرسل إليهم {أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون} المعنى: لم يكن الله مهلك القرى بسبب ظلم أقدموا عليه وهم غافلون لم ينبهوا برسول وكتاب.
- {ولكل} من المكلفين {درجات} منازل {مما عملوا} من جزاء أعمالهم {وما ربك بغافل عما يعملون} [ليس بساه تخفى عليه مقادير الأعمال وما يترتب عليها من الأجور، وفي ذلك تهديد ووعيد].
- {وربك الغني} عن عباده وعن عبادتهم {ذو الرحمة} عليهم بالتكليف ليعرضهم للمنافع الدائمة {إن يشأ يذهبكم} أيها الظلمة {ويستخلف من بعدكم ما يشاء} من الخلق الـمطيع {كما أنشأكم من ذرية قوم ءاخرين} من أولاد قوم ءاخرين لم يكونوا على مثل صفتكم، وهم أهل سفينة نوح عليه السلام.
- {إن ما توعدون} من البعث والحساب والثواب والعقاب {لآت} لكائن {وما أنتم بمعجزين} بفائتين.
- {قل يا قوم اعملوا على مكانتكم} اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم {إني عامل} على مكانتي التي أنا عليها، أي اثبتوا على كفركم وعداوتكم لي فإني ثابت على الإسلام وعلى مصابرتكم، وهو أمر تهديد ووعيد، دليله قوله: {فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار} أي أينا تكون له العاقبة المحمودة {إنه لا يفلح الظالمون} الكافرون.
- {وجعلوا} [أي كفار مكة] {لله مما ذرأ} [خلق] {من الحرث والأنعام نصيبا} أي وللأصنام نصيبا، فاكتفى بدلالة قوله تعالى: {فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا} والله لم يأمرهم بذلك ولا شرع لهم تلك القسمة {فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله} أي: لا يصل إلى الوجوه التي كانوا يصرفونه إليها من قرى الضيفان والتصدق على المساكين {وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم} من إنفاقهم عليها والإجراء على سدنتها([1]) {ساء ما يحكمون} في إيثار ءالهتهم على الله وعملهم على ما لم يشرع لهم.
- {وكذلك زين لكثير من المشركين} كما زين لهم تجزئة المال زين وأد البنات {قتل أولادهم شركاؤهم} [من الشياطين، فحسنوا لهم وأد البنات بطريق الوسوسة خشية الإملاق ولحوق العار] {ليردوهم} ليهلكوهم بالإغواء {وليلبسوا عليهم دينهم} وليخلطوا عليهم ويشوبوه، ودينهم ما كانوا عليه من دين إسماعيل حتى زلوا عنه إلى الشرك {ولو شاء الله ما فعلوه} فيه دليل على أن الكائنات كلها بمشيئة الله تعالى {فذرهم وما يفترون} من الإفك لأن ضرر ذلك عليهم لا عليك ولا علينا.
- {وقالوا هذه أنعام وحرث} للأوثان {حجر} حرام، وكانوا إذا عينوا أشياء من حرثهم وأنعامهم لآلهتهم قالوا: {لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم} يعنون خدم الأوثان، والرجال دون النساء، والزعم قول بالظن يشوبه الكذب {وأنعام حرمت ظهورها} هي البحائر والسوائب والحوامي([2]) {وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها} حالة الذبح، وإنما يذكرون عليها أسماء الأصنام {افتراء عليه} أي قسموا أنعامهم: قسم حجر، وقسم لا يركب، وقسم لا يذكر اسم الله عليها، ونسبوا ذلك إلى الله افتراء عليه {سيجزيهم بما كانوا يفترون} وعيد.
- {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا} كانوا يقولون في أجنة البحائر والسوائب: ما ولد منها حيا فهو خالص للذكور لا تأكل منه الإناث وما ولد ميتا اشترك فيه الذكور والإناث {وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء} وإن يكن ما في بطونها ميتة فهم فيه شركاء {سيجزيهم وصفهم} جزاء وصفهم الكذب على الله في التحليل والتحريم {إنه حكيم} في جزائهم {عليم} باعتقادهم.
{قد خسر الذين قتلوا أولادهم} كانوا يئدون بناتهم مخافة السبي والفقر {سفها بغير علم} لخفة أحلامهم([3]) وجهلهم بأن الله هو رازق أولادهم لا هم {وحرموا ما رزقهم الله} من البحائر والسوائب وغيرها {افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين} إلى الصواب.
([2]) البحائر جمع بحيرة وهي الناقة بنت السائبة وذلك إذا نتجت خمسة أبطن وكان الخامس أنثى تخلى مع أمها وتشق أذنها ليعلم أنها سائبة أو بحيرة فلا تركب ولا يشرب لبنها ولا يحمل عليها وهذا من أفعال الجاهلية.
وأما الحوامي فهو جمع حام وهو الفحل من الإبل إذا طال مكثه عندهم حتى لقح ولد ولده فيقولون: قد حمى ظهره فلا يركب ولا يجز له وبر ولا يمنع من مرعى.
- تفسير سورة الأنعام من الآية مئة وواحد وثلاثين إلى مئة وأربعين
