تفسير سورة الأنعام من الآية مئة وواحد وعشرين إلى مئة وثلاثين
- تفسير سورة الأنعام من الآية مئة وواحد وعشرين إلى مئة وثلاثين
ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون (121) أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون (122) وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون (123) وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون (124) فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون (125) وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون (126) لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون (127) ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم (128) وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون (129) يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين (130) - {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} عند الذبح {وإنه} وإن أكله {لفسق} والآية تحرم متروك التسمية، وخصت حالة النسيان بالحديث([1]) {وإن الشياطين ليوحون} ليوسوسون {إلى أوليائهم} من المشركين {ليجادلوكم} بقولهم: لا تأكلون مما قتله الله وتأكلون مما تذبحون بأيديكم {وإن أطعتموهم} في استحلال ما حرمه الله {إنكم لمشركون} لأن من اتبع غير الله في دينه فقد أشرك به.
- {أو من كان ميتا فأحييناه} أي كافرا فهديناه لأن الإيمان حياة القلوب {وجعلنا له نورا يمشي به في الناس} مستضيئا به، والمراد به اليقين {كمن مثله} صفته {في الظلمات} خابط فيها {ليس بخارج منها} لا يفارقها ولا يتخلص منها {كذلك} أي كما زين للمؤمن إيمانه {زين للكافرين} بتزيين الله تعالى {ما كانوا يعملون} أي أعمالهم.
- {وكذلك} وكما جعلنا في مكة صناديدها([2]) ليمكروا فيها {جعلنا} صيرنا {في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها} ليتجبروا على الناس فيها ويعملوا بالمعاصي، وخص الأكابر – وهم الرؤساء- لأن ما فيهم من الرياسة والسعة أدعى لهم إلى المكر والكفر من غيرهم. ثم سلى رسوله عليه السلام ووعده النصرة بقوله: {وما يمكرون إلا بأنفسهم} لأن مكرهم يحيق([3]) بهم {وما يشعرون} أنه يحيق بهم.
ولما قال أبو جهل: زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان([4]) قالوا: منا نبي يوحى إليه، والله لا نرضى به إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه نزل:
- {وإذا جاءتهم} أي الأكابر {ءاية} معجزة، أو ءاية من القرءان تأمرهم بالإيمان {قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله} أي نعطى من الآيات مثل ما أعطي الأنبياء، فأعلم الله تعالى أنه أعلم بمن يصلح للنبوة فقال تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} يعلم موضع رسالته {سيصيب الذين أجرموا صغار} ذل وهوان {عند الله} في القيامة {وعذاب شديد} في الدارين من القتل والأسر وعذاب النار {بما كانوا يمكرون} في الدنيا.
- {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} يوسعه وينور قلبه {ومن يرد} أي الله {أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا} بالغا في الضيق {كأنما يصعد في السماء} كأنه كلف أن يصعد إلى السماء إذا دعي إلى الإسلام من ضيق صدره عنه {كذلك يجعل الله الرجس} العذاب في الآخرة واللعنة في الدنيا {على الذين لا يؤمنون}.
- {وهذا صراط ربك} طريقه الذي اقتضته الحكمة وسنته في شرح صدر من أراد هدايته وجعله ضيقا لمن أراد ضلاله {مستقيما} عادلا مطردا {قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون} يتعظون.
- {لهم} لقوم يذكرون {دار السلام} يعني الجنة دار السلامة من كل ءافة وكدر {عند ربهم} في ضمانه {وهو وليهم} ناصرهم على أعدائهم {بما كانوا يعملون} بجزاء ما كانوا يعملون.
- {ويوم يحشرهم جميعا} [ويوم يحشر الخلق جميعا يقول:] {يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس} أضللتم منهم كثيرا وجعلتموهم أتباعكم {وقال أولياؤهم من الإنس} الذين أطاعوهم واستمعوا إلى وسوستهم {ربنا استمتع بعضنا ببعض} [استمتع] الإنس بالشياطين حيث دلوهم على الشهوات وعلى أسباب التوصل إليها، [واستمتع] الجن بالإنس حيث أطاعوهم وساعدوهم على مرادهم في إغوائهم {وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا} يعنون يوم البعث، وهذا الكلام اعتراف بما كان منهم من طاعة الشياطين واتباع الهوى والتكذيب بالبعث وتحسر على حالهم {قال النار مثواكم} منزلكم {خالدين فيها إلا ما شاء الله} يخلدون في عذاب النار الأبد كله إلا الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب السعير إلى عذاب الزمهرير([5]) {إن ربك حكيم} فيما يفعل بأوليائه وأعدائه {عليم} بأعمالهم فيجزي كلا على وفق عمله.
- {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا} نتبع بعضهم بعضا في النار {بما كانوا يكسبون} بسبب ما كسبوا من الكفر والمعاصي.
ثم يقال لهم يوم القيامة على جهة التوبيخ:
{يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم} الرسل من الإنس خاصة، وإنما قيل: {رسل منكم} لأنه لما جمع الثقلين في الخطاب صح ذلك وإن كان من أحدهما {يقصون عليكم ءاياتي} يقرؤون كتبي {وينذرونكم لقاء يومكم هذا} يعني يوم القيامة {قالوا شهدنا على أنفسنا} بوجوب الحجة علينا وتبليغ الرسل إلينا {وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} بالرسل.
([1]) أي: أن الذبيحة تحرم إذا لم تذكروا اسم الله عليها عند الذبح ذاكرين لذلك غير ناسين، وهذا عند الإمام أبي حنيفة، وأما عند الإمام الشافعي رضي الله عنهما فيجوز أكل الذبيحة ولو لم يذكر اسم الله عليها ما لم يذكر عليها اسم غير الله، وذلك لما روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: قالوا: يا رسول الله إن هنا أقواما حديثا عهدهم بشرك (أي أسلموا وتركوا الشرك حديثا) يأتونا بلحمان لا ندري يذكرون اسم الله عليها أم لا قال: «اذكروا أنتم اسم الله وكلوا». ولو كانت التسمية شرطا للحل لما ثبت الحل عند الشك فيها، وحملوا الآية على ما أهل به لغير الله كما رد في سورة المائدة: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به} حتى قوله تعالى: {ذلكم فسق}.
([2]) أي: رؤساء المشركين فيها.
([3]) الحيق: ما حاق بالإنسان من مكر أو سوء عمل يعمله فينزل ذلك به، فهو أن يشتمل على الإنسان ويحيط به عاقبة مكروه فعله.
- تفسير سورة الأنعام من الآية مئة وواحد وعشرين إلى مئة وثلاثين
