تفسير سورة الأنعام من الآية مئة وواحد إلى مئة وعشرة
- تفسير سورة الأنعام من الآية مئة وواحد إلى مئة وعشرة
بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم (101) ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل (102) لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير (103) قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ (104) وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون (105) اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين (106) ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل (107) ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون (108) وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون (109) ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون (110) - {بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة} أي من أين يكون له ولد والولد لا يكون إلا من صاحبة، ولا صاحبة له، ولأن الولادة من صفات الأجسام، ومخترع الأجسام لا يكون جسما حتى يكون له ولد {وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم} ما من شيء إلا وهو خالقه وعالـمه، ومن كان كذلك كان غنيا عن كل شيء.
- {ذلكم} إشارة إلى الموصوف بما تقدم من الصفات {الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه} [ومن اتصف بهذه] الصفات كان هو الحقيق بالعبادة فاعبدوه ولا تعبدوا من دونه من بعض خلقه {وهو على كل شيء وكيل} هو مع تلك الصفات مالك لكل شيء من الأرزاق والآجال، رقيب على الأعمال.
- {لا تدركه الأبصار} لا تحيط به، والـمنفي هو الإدراك لا الرؤية، والإدراك هو الوقوف على جوانب المرئي وحدوده، وما يستحيل عليه الحدود والجهات يستحيل إدراكه لا رؤيته. {وهو يدرك الأبصار} [أي تحيط رؤيته وعلمه بالأشياء كلها، قال القرطبي في تفسيره: لا يخفى عليه شيء إلا يراه ويعلمه، وإنما خص الأبصار لتجنيس الكلام] {وهو اللطيف} العالم بدقائق الأمور ومشكلاتها {الخبير} العليم بظواهر الأشياء وخفياتها.
- {قد جاءكم بصائر من ربكم} البصيرة نور القلب الذي به يستبصر القلب، كما أن البصر نور العين الذي به تصبر، أي جاءكم من الوحي والتنبيه ما هو للقلوب كالبصائر {فمن أبصر} الحق وءامن {فلنفسه} أبصر وإياها نفع {ومن عمي} عنه وضل {فعليها} فعلى نفسه عمي وإياها ضر بالعمى {وما أنا عليكم بحفيظ} أحفظ أعمالكم وأجازيكم عليها، إنما أنا منذر والله هو الحفيظ عليكم.
- {وكذلك نصرف الآيات} تصريفا مثل ما تلونا عليك {وليقولوا} [يعني أهل مكة حين تقرأ عليهم القرءان] {درست} قرأت كتب أهل الكتاب، قيل: اللام لام العاقبة والصيرورة، أي لتصير عاقبة أمرهم إلى أن يقولوا: درست [وقيل: فيها إضمار: لا، وتقديره: لئلا يقولوا: درست] {ولنبينه} أي القرءان {لقوم يعلمون} الحق من الباطل([1]).
- {اتبع ما أوحي إليك من ربك} ولا تتبع أهواءهم {لا إله إلا هو} اعتراض أكد به إيجاب اتباع الوحي {وأعرض عن المشركين} في الحال إلى أن يرد الأمر بالقتال.
- {ولو شاء الله} إيمانهم {ما أشركوا} بين أنهم لا يشركون على خلاف مشيئة الله، ولو علم منهم اختيار الإيمان لهداهم إليه، ولكن علم منهم اختيار الشرك وشاء شركهم، فأشركوا بمشيئته {وما جعلناك عليهم حفيظا} مراعيا لأعمالهم مأخوذا بإجرامهم {وما أنت عليهم بوكيل} بمسلط.
وكان المسلمون يسبون ءالهتهم فنهوا عنه لئلا يكون سبهم سببا لسب الله بقوله:
- {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا} ظلما وعدوانا {بغير علم} على جهالة بالله وبما يجب أن يذكر به {كذلك} مثل ذلك التزيين {زينا لكل أمة} من أمم الكفار {عملهم} وهو كقوله: {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء} [فاطر: 8] {ثم إلى ربهم مرجعهم} مصيرهم {فينبئهم بما كانوا يعملون} فيخبرهم بما عملوا ويجزيهم عليه.
- {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} جاهدين في الإتيان بأوكد الأيمان {لئن جاءتهم ءاية} من مقترحاتهم {ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله} وهو قادر عليها لا عندي فكيف ءاتيكم بها {وما يشعركم} وما يدريكم {أنها} أن الآية المقترحة {إذا جاءت لا يؤمنون} بها، يعني أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها وأنتم لا تعلمون ذلك، وكان المؤمنون يطمعون في إيمانهم إذا جاءت تلك الآية ويتمنون مجيئها.
{ونقلب أفئدتهم} عن قبول الحق {وأبصارهم} عن رؤية الحق عند نزول الآية التي اقترحوها فلا يؤمنون بها {كما لم يؤمنوا به أول مرة} كما كانوا عند نزول ءاياتنا أولا لا يؤمنون بها {ونذرهم في طغيانهم يعمهون} يتحيرون.
([1]) أي: للمؤمنين العلماء، فإن الآيات تقع بيانا لهم وزيادة علم بالله وبدينه، فأما المعاندون فيقولون: هذا شيء أخذته من أهل الكتاب.
- تفسير سورة الأنعام من الآية مئة وواحد إلى مئة وعشرة
