تفسير سورة الأنبياء من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
- تفسير سورة الأنبياء من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين (71) ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين (72) وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين (73) ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين (74) وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين (75) ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم (76) ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين (77) وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين (78) ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين (79) وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون (80) - {ونجيناه} أي إبراهيم {ولوطا} ابن أخيه هاران من العراق {إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين} أرض الشام، وبركتها أن أكثر الأنبياء منها، فانتشرت في العلامين ءاثارهم الدينية، وهي أرض خصب يطيب فيها عيش الغني والفقير، روي أنه نزل بفلسطين، ولوط بالمؤتفكة وبينهما مسيرة يوم وليلة.
- {ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة} أي هبة، قيل: هي ولد الولد، وقد سأل ولدا فأعطيه [وهو إسحاق]، وأعطي يعقوب نافلة أي زيادة وفضلا من غير سؤال {وكلا} أي إبراهيم وإسحاق ويعقوب {جعلنا صالحين} في الدين والنبوة.
- {وجعلناهم أئمة} يقتدى بهم في الدين {يهدون} الناس {بأمرنا} بوحينا {وأوحينا إليهم فعل الخيرات} وهي جميع الأعمال الصالحة {وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين} لا للأصنام، فأنتم يا معشر العرب أولاد إبراهيم فاتبعوه في ذلك.
- {ولوطا ءاتيناه حكما} حكمة وهي ما يجب فعله من العمل، أو فصلا بين الخصوم، أو نبوة {وعلما} فقها {ونجيناه من القرية} من أهلها وهي سدوم {التي كانت تعمل الخبائث} اللواط والضراط وحذف المارة([1]) بالحصى وغيرها {إنهم كانوا قوم سوء فاسقين} خارجين عن طاعة الله.
- {وأدخلناه في رحمتنا} في أهل رحمتنا {إنه من الصالحين} جزاء على صلاحه، كما أهلكنا قومه عقابا على فسادهم.
- {ونوحا} واذكر نوحا {إذ نادى} دعا على قومه بالهلاك {من قبل} من قبل هؤلاء المذكورين {فاستجبنا له} دعاءه {فنجيناه وأهله} المؤمنين من ولده وقومه {من الكرب العظيم} من الطوفان وتكذيب أهل الطغيان.
- {ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا} منعناه من أذاهم {إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين} صغيرهم وكبيرهم ذكرهم وأنثاهم.
- {وداوود وسليمان} واذكرهما {إذ يحكمان في الحرث} في الزرع {إذ نفشت} دخلت {فيه غنم القوم} ليلا فأكلته وأفسدته، والنفش: انتشار الغنم ليلا بلا راع {وكنا لحكمهم} أرادهما والمتحاكمين إليهما {شاهدين} كان ذلك بعلمنا ومرأى منا.
- {ففهمناها} أي الحكومة أو الفتوى {سليمان} وقصته أن الغنم رعت الحرث وأفسدته بلا راع ليلا، فتحاكما إلى داود فحكم بالغنم لأهل الحرث، وقد استوت قيمتاهما أي قيمة الغنم كانت على قدر النقصان في الحرث، فقال سليمان وهو ابن إحدى عشرة سنة: غير هذا أرفق بالفريقين([2])، فعزم([3]) عليه ليحكمن، فقال: أرى أن تدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأولادها وأصوافها، والحرث إلى رب الغنم حتى يصلح الحرث ويعود كهيئته يوم أفسد، ثم يترادان، فقال: القضاء ما قضيت، وأمضى الحكم بذلك، وقال مجاهد: كان هذا صلحا، وما فعله داود كان حكما، {والصلح خير} [النساء: 128] {وكلا} من داود وسليمان {ءاتينا حكما} نبوة {وعلما} معرفة بموجب الحكم {وسخرنا} وذللنا {مع داوود الجبال يسبحن} مسبحات {والطير} قدمت الجبال على الطير لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب وأغرب وأدخل في الإعجاز لأنها جماد {وكنا فاعلين} بالأنبياء مثل ذلك، وإن كان عجبا عندكم.
{وعلمناه صنعة لبوس لكم} أي عمل اللبوس، واللبوس اللباس، والمراد الدرع {لتحصنكم} الصنعة {من بأسكم} من حرب عدوكم {فهل أنتم شاكرون} استفهام بمعنى الأمر، أي فاشكروا الله على ذلك.
([2]) معناه: حكم داود صحيح وحكم سليمان صحيح ولكن حكم سليمان أولى، ما خطأ أباه، لكن الله تعالى ألهمه ما هو أحسن من حكم أبيه.
