تفسير سورة الأنبياء من الآية واحد وثمانين إلى تسعين
- تفسير سورة الأنبياء من الآية واحد وثمانين إلى تسعين
ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين (81) ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين (82) وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (83) فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين (84) وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين (85) وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين (86) وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (87) فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين (88) وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين (89) فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين (90) - {ولسليمان الريح} أي وسخرنا له الريح {عاصفة} أي شديدة الهبوب، ووصفت في موضع ءاخر بالرخاء لأنها تجري باختياره، فكانت في وقت رخاء وفي وقت عاصفة، لهبوبها على حكم إرادته {تجري بأمره} بأمر سليمان {إلى الأرض التي باركنا فيها} بكثرة الأنهار والأشجار والثمار، والمراد الشام، وكان منزله بها، وتحمله الريح من نواحي الأرض إليها {وكنا بكل شيء عالمين} وقد أحاط علمنا بكل شيء، فتجري الأشياء كلها على ما يقتضيه علمنا.
- {ومن الشياطين} وسخرنا منهم {من يغوصون له} في البحار بأمره لاستخراج الدر وما يكون فيها {ويعملون عملا دون ذلك} أي دون الغوص، وهو بناء المحاريب والقصور والقدور والجفان([1]) {وكنا لهم حافظين} أن يزيغوا عن أمره، أو يبدلوا، أو يوجد منهم فساد فيما هم مسخرون فيه.
- {وأيوب} واذكر أيوب {إذ نادى ربه أني} دعا بأني {مسني الضر} الضر بالفتح الضرر في كل شيء، وبالضم الضرر في النفس من مرض أو هزال {وأنت أرحم الراحمين} ألطف في السؤال، وذكر ربه بغاية الرحمة ولم يصرح بالمطلوب، فكانه قال: أنت أهل أن ترحم، وأيوب أهل أن يرحم فارحمه واكشف عنه الضر الذي مسه.
- {فاستجبنا له} أجبنا دعاءه {فكشفنا ما به من ضر} فكشفنا ضره إنعاما عليه {وءاتيناه أهله ومثلهم معهم} روي أن أيوب عليه السلام كان من ولد إسحاق بن إبراهيم عليه السلام وله سبعة بنين وسبع بنات وثلاثة ءالاف بعير وسبعة ءالاف شاة وخمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد لكل عبد امرأة وولد، فابتلاه الله تعالى بذهاب ولده وماله وبمرض في بدنه ثماني عشرة سنة، وقالت له امرأته يوما: لو دعوت الله عز وجل، فقال: كم كانت مدة الرخاء؟ فقالت: ثمانين سنة، فقال: أنا أستحي من الله أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي، فلما كشف الله عنه أحيا ولده بأعيانهم ورزقه مثلهم معهم {رحمة من عندنا وذكرى للعابدين} رحمة لأيوب وتذكرة لغيره من العابدين ليصبروا كصبره فيثابوا كثوابه.
- {وإسماعيل} ابن إبراهيم {وإدريس} ابن شيث بن ءادم {وذا الكفل} أي اذكرهم، [والمشهور أن ذا الكفل نبي من الأنبياء]، وسمي به لأنه ذو الحظ من الله، والكفل: الحظ {كل من الصابرين} هؤلاء المذكورون كلهم موصوفون بالصبر.
- {وأدخلناهم في رحمتنا} نبوتنا، أو النعمة في الآخرة {إنهم من الصالحين} ممن لا يشوب صلاحهم كدر الفساد.
- {وذا النون} أي اذكر صاحب الحوت، [وهو يونس بن متى]، والنون: الحوت، فأضيف إليه {إذ ذهب مغاضبا} لقومه، ومعنى مغاضبته لقومه أنه أغضبهم بمفارقته لخوفهم حلول العقاب عليهم عندها، روي أنه برم([2]) بقومه لطول ما ذكرهم فلم يتعظوا وأقاموا على كفرهم، فراغمهم([3]) وظن أن ذلك يسوغ حيث لم يفعله إلا غضبا لله وبغضا للكفر وأهله، وكان عليه أن يصابر وينتظر الإذن من الله تعالى في الـمهاجرة عنهم، فابتلي ببطن الحوت {فظن أن لن نقدر} نضيق {عليه} [وهو] من القدر([4]) لا من القدرة {فنادى في الظلمات} في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت، أو ظلمة الليل والبحر وبطن الحوت {أن} أي بأنه {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} لنفسي في خروجي من قومي قبل أن تأذن لي، في الحديث [أن النبي عليه السلام قال: «إني لأعلم كلمة لا يقولها مكروب إلا فرج الله عنه، كلمة أخي يونس»].
- {فاستجبنا له ونجيناه من الغم} غم الزلة والوحشة والوحدة {وكذلك ننجي المؤمنين} إذا دعونا واستغاثوا بنا.
- {وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا} [أي بلا ولد يعينني على إقامة دينك]، ثم رد أمره إلى الله مستسلما فقال: {وأنت خير الوارثين} فإن لم ترزقني من يرثني فلا أبالي فإنك خير وارث أي باق [بعد فناء خلقك].
([1]) الجفان: جمع جفنة كالقصعة للأكل كما يقال اليوم: الصحون، ينجر الخشب ويعمل منه للأكل صغار وكبار، العرب ممن كان عندهم جفان، من عندهم سخاء يعملون جفانا كبارا، حسان بن ثابت رضي الله عنه قال:
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى
وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
يصف أهله بأنهم كرماء وأنهم رجال الحرب، وكان شاعر رسول الله ﷺ، هو يدافع عن الرسول ﷺ بالشعر يهجو المشركين ويمدح الرسول، وكانوا يتألمون منه كأنه يطعنهم بالسيوف والرسول ﷺ قال له: «اهجهم وجبريل معك»، رواه البخاري من حديث البراء رضي الله عنه. أي يمدك، هذا دليل لإثبات المدد من الأنبياء والأولياء، لأن جبريل ما كان يلقي عليه الكلام الذي يحرق به المشركين، إنما جبريل يكون معه تلك الساعة فيمده، المدد المعروف عند الصوفية.
([3]) الـمراغمة: الـمغاضبة، والـمراغمة: الهجران والتباعد، وراغم قومه: نبذهم وخرج عنهم وعاداهم.
([4]) القدر أي التضييق، الأنبياء يستحيل عليهم أن يشكوا بقدره الله.
- تفسير سورة الأنبياء من الآية واحد وثمانين إلى تسعين
