تفسير سورة الأنبياء من الآية واحد وتسعين إلى مئة والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين (91) إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون (92) وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون (93) فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون (94) وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون (95) حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون (96) واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين (97) إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون (98) لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون (99) لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون (100)
{والتي} واذكر التي {أحصنت فرجها} حفظته من الحلال والحرام {فنفخنا فيها من روحنا} أجرينا فيها روح المسيح، أو أمرنا جبريل فنفخ في جيب درعها، فأحدثنا بذلك النفخ عيسى في بطنها، وإضافة الروح إليه تعالى لتشريف عيسى عليه السلام {وجعلناها وابنها آية للعالمين}.
{إن هذه أمتكم} الأمة: الـملة، وهذه إشارة إلى ملة الإسلام، وهي ملة جميع الأنبياء، {أمة واحدة} أي متوحدة غير متفرقة، أي أن ملة الإسلام هي ملتكم التي يجيب أن تكونوا عليها لا تنحرفون عنها {وأنا ربكم فاعبدون} فاعبدوني شكرا، والخطاب للناس كافة.
{وتقطعوا أمرهم بينهم} وجعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا وصاروا فرقا وأحزابا([1])، ثم توعدهم بأن هؤلاء الفرق المختلفة {كل إلينا راجعون} فتجازيهم على أعمالهم.
{فمن يعمل من الصالحات} شيئا {وهو مؤمن} بما يجب الإيمان به {فلا كفران لسعيه} فإن سعيه مشكور مقبول، والكفران مثل في حرمان الثواب كما أن الشكر مثل في إعطائه {وإنا له} للسعي، أي الحفظة بأمرنا {كاتبون} في صحيفة عمله فنثيبه به.
{وحرام} المراد بالحرام الممتنع وجوده {على قرية أهلكناها} [حكمنا بإهلاك أهلها] {أنهم لا يرجعون} [أي ممتنع وغير متصور منهم ألا يرجعوا] إلى الله بالبعث [والجزاء].
{حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج} فتح سدهما، وهما قبيلتان من جنس الإنس، يقال: الناس عشرة أجزاء تسعة منها يأجوج ومأجوج {وهم} راجع إلى الناس المسوقين إلى المحشر، وقيل: هم يأجوج ومأجوج يخرجون حين يفتح السد {من كل حدب} من الأرض، أي ارتفاع {ينسلون} يسرعون.
{واقترب الوعد الحق} أي القيامة {فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا} أي مرتفعة الأجفان، لا تكاد تطرف([2]) من هول ما هم فيه {يا ويلنا} يقولون: يا ويلنا {قد كنا في غفلة من هذا} اليوم {بل كنا ظالمين} بوضعنا العبادة في غير موضعها.
{إنكم وما تعبدون من دون الله} يعني الأصنام وإبليس وأعوانه، لأنهم بطاعتهم لهم واتباعهم خطواتهم في حكم عبدتهم {حصب} حطب {جهنم أنتم لها واردون} فيها داخلون.
{لو كان هؤلاء ءالهة} كما زعمتم {ما وردوها} ما دخلوا النار {وكل} أي العابد والمعبود {فيها} في النار {خالدون}.
{لهم} للكفار {فيها زفير} أنين وبكاء وعويل {وهم فيها لا يسمعون} شيئا ما، لأنهم صاروا صما وفي السماع نوع أنس فلم يعطوه.
([1]) أي: ذوي أديان مختلفة.
([2]) معناه تبقى مفتوحة ناظرة إلى أعلى من شدة الهول.