تفسير سورة الأعراف من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
- تفسير سورة الأعراف من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين (21) فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين (22) قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين (23) قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين (24) قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون (25) يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون (26) يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون (27) وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون (28) قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون (29) فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون (30) - {وقاسمهما} وأقسم لهما {إني لكما لمن الناصحين} [وكذب عدو الله في ذلك].
- {فدلاهما} فنزلهما إلى الأكل من الشجرة {بغرور} بما غرهما به من القسم بالله {فلما ذاقا الشجرة} وجدا طعمها ءاخذين في الأكل منها وهي السنبلة أو الكرم([1]) {بدت لهما سوآتهما} ظهرت لهما عوراتهما لتهافت([2]) اللباس عنهما {وطفقا} وجعلا {يخصفان عليهما من ورق الجنة} يجعلان على عورتهما من ورق التين أو الموز ورقة فوق ورقة ليستترا بها كما تخصف النعل {وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة} [استفهام بمعنى الإثبات، وهو] عتاب من الله وتنبيه على الخطأ، [وليس معنى ذلك أن الله تعالى كلمهما بكلامه الذاتي الأزلي الذي ليس حرفا ولا صوتا ولا لغة، وإنما معناه نداء الملك بأمر الله تعالى، وإلا للزم أن يكون ءادم وحواء كليمين بمثابة موسى عليه السلام مع أن هذا كان قبل النبوة بالنسبة لآدم عليه السلام وللزم منه مساواة غير النبي – وهي حواء – النبي لأن سماع كلامه تعالى الذاتي الذي هو صفته مما خص به ذوي النبوة كما ورد في النص القرءاني لموسى عليه السلام في سورة الأعراف {يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي} [الأعراف: 144] {وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين} [بين العداوة، والاستفهام للتقرير].
- {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا} [ذنبنا] {وترحمنا} [بقبل توبتنا] {لنكونن من الخاسرين} [أي الهالكين].
- {قال اهبطوا} الخطاب لآدم وحواء بلفظ الجمع لأن إبليس هبط من قبل، ويحتمل أنه هبط إلى السماء ثم هبطوا جميعا إلى الأرض {بعضكم لبعض عدو} متعادين يعاديهما إبليس ويعاديانه {ولكم في الأرض مستقر} استقرار {ومتاع} وانتفاع بعيش {إلى حين} إلى انقضاء ءاجالكم.
- {قال فيها تحيون} في الأرض {وفيها تموتون ومنها تخرجون} للثواب والعقاب.
- {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا} جعل ما في الأرض منزلا من السماء لأن أصله من الماء وهو منها {يواري سوآتكم} يستر عوراتكم {وريشا} لباس الزينة، استعير من ريش الطير لأنه لباسه وزينته، أي أنزلنا عليكم لباسين: لباسا يواري سوءاتكم ولباسا يزينكم {ولباس التقوى} ولباس الورع الذي يقي العقاب {ذلك خير} كأنه قيل: ولباس التقوى هو خير {ذلك من ءايات الله} الدالة على فضله ورحمته على عباده، يعني إنزال اللباس {لعلهم يذكرون} فيعرفوا عظيم النعمة فيه.
- {يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة} لا يخدعنكم ولا يضلنكم بألا تدخلوا الجنة كما فتن أبويكم بأن أخرجهما مناه {ينزع عنهما لباسهما} أخرجهما نازعا لباسهما بأن كان سببا في أن نزع عنهما([3])، أي لا تتبعوا الشيطان فيفتنكم {ليريهما سوآتهما} عوراتهما {إنه يراكم} تعليل للنهي وتحذير من فتنته بأنه بمنزلة العدو الـمداجي([4]) يكيدكم من حيث لا تشعرون {هو وقبيله} وذريته، أو وجنوده من الشياطين {من حيث لا ترونهم} قال ذو النون: إن كان هو يراك من حيث لا تراه، فاستعن بمن يراه من حيث لا يراه، وهو الله الكريم الستار الرحيم الغفار {إنا جعلنا الشياطين أولياء} [أعوانا وقرناء] {للذين لا يؤمنون} فيه دلالة خلق الأفعال.
- {وإذا فعلوا فاحشة} ما يبالغ في قبحه من الذنوب وهو طوافهم بالبيت عراة وشركهم {قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها} إذا فعلوها اعتذروا بأن ءاباءهم كانوا يفعلونها فاقتدوا بهم، وبأن الله أمرهم بأن يفعلوها حيث أقرنا عليها إذ لو كرهها لنقلنا عنها، وهما باطلان لأن أحدهما تقليد للجهال {قل إن الله لا يأمر بالفحشاء} إذ المأمور به لا بد أن يكون حسنا وإن كان على مراتب على ما عرف في أصول الفقه {أتقولون على الله ما لا تعلمون} استفهام إنكار وتوبيخ.
- {قل أمر ربي بالقسط} بالعدل وبما هو حسن عند كل عاقل، فكيف يأمر بالفحشاء {وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد} اقصدوا عبادته في كل سجود {وادعوه} واعبدوه {مخلصين له الدين} أي الطاعة مبتغين بها وجهه خالصا {كما بدأكم تعودون} كما أنشأكم ابتداء يعيدكم، احتج عليهم في إنكارهم الإعادة بابتداء الخلق، والمعنى أنه يعيدكم فيجازيكم على أعمالكم، فأخلصوا له العبادة.
{فريقا هدى} وهم المسلمون {وفريقا} أي أضل فريقا {حق عليهم الضلالة} وهم الكافرون {إنهم} إن الفريق الذين حق عليهم الضلالة {اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله} أي أنصارا {ويحسبون أنهم مهتدون} والآية حجة لنا على أهل الاعتزال في الهداية والإضلال.
([1]) وقيل غير ذلك، الله أعلم بحقيقة الشجرة، ولم يرد شيء ثابت بحقيقتها.
([2]) التهافت: التساقط قطعة بعد قطعة.
([3]) لكنهما ستراها على الفور ولم يخرجا من الجنة مكشوفي العورة.
- تفسير سورة الأعراف من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
