تفسير سورة الأعراف من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
- تفسير سورة الأعراف من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين (71) فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين (72) وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم (73) واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين (74) قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون (75) قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون (76) فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين (77) فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (78) فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين (79) ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين (80) - {قال قد وقع} أي قد نزل {عليكم} جعل المتوقع الذي لا بد من نزوله بمنزلة الواقع، كقولك لمن طلب إليك بعض المطالب: قد كان {من ربكم رجس} عذاب {وغضب} سخط {أتجادلونني في أسماء سميتموها} في أشياء ما هي إلا أسماء ليس تحتها مسميات، لأنكم تسمن الأصنام ءالهة، وهي خالية عن معنى الألوهية {أنتم وءاباؤكم ما نزل الله بها من سلطان} حجة {فانتظروا} نزول العذاب {إني معكم من المنتظرين} ذلك.
- {فأنجيناه والذين معه} أي من ءامن به {برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا} الدابر: الأصل، وقطع دابرهم استئصالهم وتدميرهم عن آخرهم {وما كانوا مؤمنين} فائدة نفي الإيمان عنهم مع إثبات التكذيب بآيات الله الإشعار بأن الهلاك خص المكذبين.
- {وإلى ثمود} وأرسلنا إلى ثمود، وقيل: سميت ثمود لقلة مائها من الثمد وهو الماء القليل، وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام {أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم} ءاية ظاهرة شاهدة على صحة نبوتي {هذه ناقة الله} هذه إضافة تخصيص وتعظيم لأنها بتكوينه تعالى بلا صلب ولا رحم، [بل من صخرة صماء([1])] {لكم ءاية} [علامة ظاهرة على رسالتي] {فذروها تأكل في أرض الله} فذروها تأكل في أرض ربها من نبات ربها، فليس عليكم مؤنتها {ولا تمسوها بسوء} ولا تضربوها ولا تعقروها ولا تطردوها إكراما لآية الله {فيأخذكم عذاب أليم} [موجع، وهو في الدنيا].
- {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم} ونزلكم {في الأرض} في أرض الحجر بين الحجاز والشام {تتخذون من سهولها قصورا} غرفا للصيف {وتنحتون الجبال بيوتا} للشتاء {فاذكروا ءالاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين} روي أن عادا لـما أهلكت عمرت ثمود بلادها وخلفوها في الأرض، وعمروا أعمارا طوالا فنحتوا البيوت من الجبال خشية الانهدام قبل الممات، وكانوا في سعة من العيش، فعتوا([2]) على الله، وأفسدوا في الأرض، وعبدوا الأوثان، فبعث الله إليهم صالحا، وكانوا قوما عربا، وصالح من أوسطهم نسبا، فدعاهم إلى الله، فلم يتبعه إلا قليل منهم مستضعفون، فأنذرهم، فسألوه أن يخرج من صخرة بعينها ناقة عشراء([3])، فصلى ودعا ربه فتمخضت تمخض النتوج بولدها([4])، فخرجت منها ناقة كما شاؤوا فآمن به رهط من قومه([5]).
- {قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا} للذين استضعفوا رؤساء الكفار {لمن ءامن منهم} وهو يدل على أن استضعافهم كان مقصورا على المؤمنين {أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه} قالوه على سبيل السخرية {قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون} كأنهم قالوا: العلم بإرساله وبما أرسل به لا شبهة فيه وإنما الكلام في وجوب الإيمان به، فتخبركم أنا مؤمنون.
- {قال الذين استكبروا إنا بالذي ءامنتم به كافرون} ردا لما جعله المؤمنون معلوما مسلما.
- {فعقروا الناقة} أسند العقر إلى جميعهم وإن كان العاقر قدار ابن سالف لأنه كان برضاهم، وكان قدار أحمر أزرق قصيرا كما كان فرعون كذلك {وعتوا عن أمر ربهم} وتولوا عنه واستكبروا {وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا} من العذاب {إن كنت من المرسلين}.
- {فأخذتهم الرجفة} الصيحة التي زلزلت لها الأرض واضطربوا لها {فأصبحوا في دارهم} في بلادهم أو مساكنهم {جاثمين} ميتين قعودا.
- {فتولى عنهم} لـما عقروا الناقة {وقال يا قوم} عند فراقه إياهم {لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين} الآمرين بالهدى لاستحلاء الهوى. روي أن عقرهم الناقة كان يوم الأربعاء، فقال صالح: تعيشون بعده ثلاثة أيام تصفر وجوهكم أول يوم وتحمر في الثاني وتسود في الثالث ويصيبكم العذاب في الرابع، وكان كذلك. روي أنه خرج في مائة وعشرة من المسلمين وهو يبكي، فلما علم أنهم هلكوا رجع بمن معه فسكنوا ديارهم.
{ولوطا} أي واذكر لوطا {إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة} أتفعلون السيئة المتمادية في القبح {ما سبقكم بها} ما عملها قبلكم {من أحد} من زائدة لتأكيد النفي وإفادة معنى الاستغراق {من العالمين}، أنكر عليهم أولا بقوله: {أتأتون الفاحشة} ثم وبخهم عليها بقوله: أنتم أول من عملها([6]).
([1]) أي: صلبة شديدة من غير تجويف.
([3]) ناقة عشراء أي حامل مضى لحملها عشرة أشهر، فإذا وضعت لتمام سنة فهي عشراء أيضا.
([4]) أي: تحركت كحركة الحامل بولدها إذا أرادت وضعه.
([5]) الرهط: دون العشرة من الرجال.
([6]) لا يجوز أن يقال: «إن فعل اللواط مشتق من اسم نبي الله لوط»، وقد ذكر الزركشي في تشنيف المسامع ما نصه: «الأفعال مشتقة من المصادر على الصحيح، والأفعال أصل للصفات المشتقة منها فتكون المصادر أصلا لها أيضا» اهـ. وقال أبو منصور اللغوي: وكل أسماء الأنبياء أعجمية إلا أربعة ءادم وصالح وشعيب ومحمد اهـ، وهذا خلاف ما جاء في الصحيح ففي صحيح ابن حبان من حديث أبي ذر أن الرسول عليه السلام قال: «أربعة من الأنبياء من العرب هود وصالح وشعيب ومحمد» وظاهر الحديث أن أسماء غير الأربعة أعجمية، ويمكننا تأويل الحديث على أن المراد به أن الأربعة عرب ومن سواهم لا يسمون عربا من حيث الجنسية وعلى هذا لا يعارض كون لفظ ءادم عربيا. وكيف يمضي هذا الزمن الطويل من ءادم إلى لوط من غير أن تكون اللغة العربية وهي أول لغة تكلم بها ءادم وعلمها أبناءه كلغات غيرها فيها فعل للواط بل كان أولاد ءادم ومن بعدهم يعرفون كلمة لاط بتصاريفها كما كانوا يعرفون كلمة الزنى وتصاريفها، وقائل هذا كالذي يقول إن البشر ما كانوا يعرفون كلمة الزنى وتصاريفها حتى مضى على البشر زمان طويل، وكيف يكون هود وصالح اللذان هما مبعوثان إلى العرب لغتهما ولغة من أرسلا إليهم خالية عن هذه الكلمة فلا يغتر بأن هذه المقالة الشنيعة مذكورة في كتاب لسان العرب (7/396) وشرح القاموس تاج العروس (5/218) وليس لهما حجة إلا تقليد الليث في ذلك. وقد زيف هذه المقالة من أئمة اللغة الزجاج، فلا يجوز أن يقال إن لوطا مشتق من اللواط لأن اللواط لفظ عربي وهو مصدر لاط، ولوط اسم أعجمي فكيف يدعي مدع أنه مشتق من اللواط، وكذلك عكسه وهو القول بأن اللواط مأخوذ من لوط، فلفظ اللواط كان قبل قوم لوط لأن اللغة العربية لغة قديمة حتى قال بعض العلماء: إن أول لغة تكلم بها ءادم هي العربية، ويشهد لذلك ما ورد في الصحيح: «أن ءادم عطس فقال الحمد لله»، وإنما قوم لوط هم أول من فعل تلك الفعلة الشنيعة، أما اللفظ كان موضوعا بين المتكلمين باللغة العربية قبل لوط وهم قوم عاد، وليس في قول الله تعالى إخبارا عن قول لوط لقومه {أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين} [الأعراف: 80] أن لفظ اللواط لم يكن قبل ذلك وإنما معناه أن فعل تلك الفاحشة لم يسبقهم بها قبلهم غيرهم، فوضع الكلمة يتقدم على العمل به، واللواط هكذا اللفظ سابق لكن التنفيذ ما حصل إلا في قوم لوط، ولا يقاس الاشتقاق على الـمعرب، فالمعرب لا يسمى اشتقاقا فهو شيء والاشتقاق شيء ءاخر، فنقول في المعرب نقل لغة أعجمية إلى العربية ولم يستعملوه على أنه عربي، فأسماء الأعيان نقل عدد منهم والعرب استعملتها استعمالا وليس هناك أنه اشتق هذا من هذا، فرق بعيد بين المعرب والاشتقاق. أفاده الإمام الهرري في كتابه الدليل القويم على الصراط المستقيم.
- تفسير سورة الأعراف من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
