تفسير سورة الأعراف من الآية واحد وخمسين إلى ستين
- تفسير سورة الأعراف من الآية واحد وخمسين إلى ستين
الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون (51) ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون (52) هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (53) إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين (54) ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين (55) ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين (56) وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون (57) والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون (58) لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (59) قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين (60) - {الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا} فحرموا وأحلوا ما شاؤوا {وغرتهم الحياة الدنيا} اغتروا بطول البقاء {فاليوم ننساهم} نتركهم في العذاب [كالمنسيين، قال الإمام الماتريدي في شرح التأويلات: «لا يجوز أن يضاف النسيان إلى الله تعالى بحال»، فلا يجوز على الله تعالى أن ينسى أو يسهو أو يغفل عن شيء] {كما نسوا لقاء يومهم هذا} [بتركهم العمل له كالمتناسين له] {وما كانوا بآياتنا يجحدون} [أي: لنسيانهم وكونهم جحدوا ءايات الله تعالى].
- {ولقد جئناهم بكتاب فصلناه} ميزنا حلاله وحرامه ومواعظه وقصصه {على علم} عالمين بكيفية تفصيل أحكام {هدى ورحمة لقوم يؤمنون}.
- {هل ينظرون} ينتظرون {إلا تأويله} إلا عاقبة أمره وما يؤول إليه من تبين صدقه وظهور صحة ما نطق به من الوعد والوعيد {يوم يأتي تأويله} [عاقبة تصديقه وتكذيبه، وهو يوم القيامة] {يقول الذين نسوه من قبل} تركوه وأعرضوا عنه {قد جاءت رسل ربنا بالحق} تبين وصح أنهم جاؤوا بالحق فأقروا حين لا ينفعهم {فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد} كانه قيل: فهل لنا من شفعاء أو هل نرد {فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون} ما كانوا يعبدونه من الأصنام.
- {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام} أراد السمٰوات والأرض وما بينهما، وقد فصلها في «حم السجدة» أي من الأحد إلى الجمعة لاعتبار الملائكة، شيئا فشيئا، وللإعلام بالتأني في الأمور، ولأن لكل عمل يوما، ولأن إنشاء شيء بعد شيء أدل على عالم مدبر مريد يصرفه على اختياره ويجريه على مشيئته {ثم استوى} استولى {على العرش}([1]) أضاف الاستيلاء إلى العرش، وإن كان سبحانه وتعالى مستوليا على جميع المخلوقات، لأن العرش أعظمها وأعلاها، وتفسير العرش بالسرير والاستواء بالاستقرار – كما تقوله المشبهة – باطل [كفر]، لأنه تعالى كان قبل العرش ولا مكان، وهو الآن كما كان، لأن التغير من صفات الأكوان {يغشي الليل النهار} يلحق الليل بالنهار، أو النهار بالليل {يطلبه حثيثا} سريعا، والطالب هو الليل كأنه لسرعة مضيه يطلب النهار {والشمس والقمر والنجوم} وخلق الشمس والقمر والنجوم {مسخرات} مذللات {بأمره} هو أمر تكوين، ولما ذكر أنه خلقهن مسخرات بأمره قال: {ألا له الخلق والأمر} هو الذي خلق الأشياء وله الأمر {تبارك الله} كثر خيره أو دام بره، من البركة النماء {رب العالمين}.
- {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} ذوي تضرع وخفية أي: تذللا وتملقا([2]) {إنه لا يحب المعتدين} المجاوزين من أمروا به في كل شيء من الدعاء وغيره.
- {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} بالمعصية بعد الطاعة {وادعوه خوفا وطمعا} خائفين من الرد طامعين في الإجابة {إن رحمت الله قريب} شيء قريب {من المحسنين} [عملا والمحسنين أملا، أما الأول ففي الموفين، وأما الثاني ففي المقصرين الطامعين في إجابة الدعاء].
- {وهو الذي يرسل الرياح بشرا} لأن الرياح تبشر بالمطر {بين يدي رحمته} أمام نعمته وهي الغيث الذي هو من أجل النعم {حتى إذا أقلت} حملت {سحابا ثقالا} بالماء {سقناه} [أي: السحاب] {لبلد ميت} لأجل بلد ليس فيه مطر ولسقيه {فأنزلنا به الماء} بالسحاب، [أو بالبلد الماء] {فأخرجنا به من كل الثمرات} [مما تثمره الأرض كالحبوب والفواكه] {كذلك} مثل ذلك الإخراج وهو إخراج الثمرات {نخرج الموتى لعلكم تذكرون} فيؤديكم التذكر إلى الإيمان بالبعث إذ لا فرق بين الإخراجين.
- {والبلد الطيب} الأرض الطيبة التربة {يخرج نباته بإذن ربه} بتيسيره حسنا وافيا {والذي خبث} والبلد الخبيث {لا يخرج} نباته {إلا نكدا} هو الذي لا خير فيه، وهذا مثل لمن ينجع فيه الوعظ وهو المؤمن، ولمن لا يؤثر فيه وهو الكافر {كذلك} مثل ذلك التصريف {نصرف الآيات} نرددها ونكررها {لقوم يشكرون} نعمة الله وهم المؤمنون ليتفكروا فيها ويعتبروا بها.
- {لقد أرسلنا نوحا إلى قومه} أرسل وهو ابن خمسين سنة وكان نجارا {فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} ما لكم إلٰه غيره فلا تعبدوا معه غيره {إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} يوم القيامة، أو يوم نزول العذاب عليهم وهو الطوفان.
{قال الملأ} الأشراف والسادة {من قومه إنا لنراك في ضلال مبين} بين، في ذهاب عن طريق الصواب.
([1]) {ثم استوى على العرش} معناه وقد استوى على العرش. «ثم» معناها هنا معنى الواو، يقال في اللغة: زيد يأتي غدا ثم إنه كان أتى قبل هذا، معناه وقد أتى قبل هذا، المشبهة المجسمة عندهم ثم هنا للتأخر.
([2]) أي: تذللا وتخشعا لطاعته لا جهارا ومراءاة، والتملق: التلطف والتودد.
- تفسير سورة الأعراف من الآية واحد وخمسين إلى ستين
