تفسير سورة الأعراف من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
- تفسير سورة الأعراف من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين (31) قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون (32) قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون (33) ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (34) يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (35) والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (36) فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين (37) قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون (38) وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون (39) إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين (40) - {يا بني ءادم خذوا زينتكم} لباس زينتكم {عند كل مسجد} كلما صليتم، وقيل: الزينة الـمشط والطيب، والسنة أن يأخذ الرجل أحسن هيئاته للصلاة، لأن الصلاة مناجاة الرب([1]) فيستحب لها التزين والتعطر كما يجب التستر والتطهر {وكلوا} من اللحم والدسم {واشربوا ولا تسرفوا} [ولا تجاوزوا حد الشرع] بالشروع في الحرام {إنه لا يحب المسرفين} عن ابن عباس رضي الله عنهما: كل ما شئت واشرب ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة([2]).
ثم استفهم إنكارا على محرم الحلال بقوله:
- {قل من حرم زينة الله} من الثياب وكل ما يتجمل به {التي أخرج لعباده} أصلها، يعني القطن من الأرض، والقز من الدود {والطيبات من الرزق} والمستلذات من المآكل والمشارب، وقيل: كانوا إذا أحرموا حرموا الشاة وما يخرج منها من لحمها وشحمها ولبنها {قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا} غير خالصة لهم، لأن المشركين شركاؤهم فيها {خالصة يوم القيامة} لا يشركهم فيها أحد يوم القيامة {كذلك نفصل الآيات} نميز الحلال من الحرام {لقوم يعلمون} أنه لا شريك له.
- {قل إنما حرم ربي الفواحش} الفواحش ما تفاحش قبحه أي تزايد {ما ظهر منها وما بطن} سرها وعلانيتها {والإثم} شرب الخمر أو كل ذنب {والبغي} والظلم والكبر {بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا} حجة، كأنه قال: حرم الفواحش وحرم الشرك {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} وأن تتقولوا عليه وتفتروا الكذب من التحريم وغيره.
- {ولكل أمة أجل} وقت معين يأتيهم فيه عذاب الاستئصال إن لم يؤمنوا، وهو وعيد لأهل مكة بالعذاب النازل في أجل معلوم عند الله كما نزل بالأمم {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} قيد بساعة([3]) لأنها أقل ما يستعمل في الإمهال.
- {يا بني آدم إما يأتينكم} [{إما} كلمتان: (إن) و(ما)، و(إن)] هي إن الشرطية ضمت إليها ما مؤكدة لمعنى الشرط [والمعنى: وإن جاءكم ومتى جاءكم] {رسل منكم} [من جنسكم] {يقصون عليكم ءاياتي} يقرؤون عليكم كتبي وجواب الشرط: {فمن اتقى} الشرك {وأصلح} العمل منكم {فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} أصلا.
- {والذين كذبوا} منكم {بآياتنا واستكبروا عنها} تعظموا عن الإيمان بها {أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}.
- {فمن أظلم} فمن أشنع ظلما {ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته} ممن تقول على الله ما لم يقله، أو كذب ما قاله {أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب} ما كتب لهم من الأرزاق والأعمار {حتى إذا جاءتهم رسلنا} ملك الموت وأعوانه {يتوفونهم} يقبضون أرواحهم {قالوا أين ما كنتم تدعون} تعبدون {من دون الله} ليذبوا عنكم {قالوا ضلوا عنا} غابوا عنا فلا نراهم {وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} اعترفوا بكفرهم بلفظ الشهادة التي هي لتحقيق الخبر.
- {قال ادخلوا} أي يقول الله تعالى يوم القيامة لهؤلاء الكفار: ادخلوا {في أمم} أي كائنين في جملة أمم مصاحبين لهم {قد خلت} مضت {من قبلكم من الجن والإنس} من كفار الجن والإنس {في النار كلما دخلت أمة} النار {لعنت أختها} التي ضلت بالاقتداء بها {حتى إذا اداركوا فيها جميعا} تلاحقوا واجتمعوا في النار {قالت أخراهم} منزلة وهي الأتباع والسفلة([4]) {لأولاهم} منزلة وهي القادة والرؤوس، ومعنى لأولاهم لأجل أولاهم، لأن خطابهم مع الله لا معهم {ربنا} يا ربنا {هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا} مضاعفا {من النار قال لكل ضعف} للقادة بالغواية والإغواء، وللأتباع بالكفر والاقتداء {ولكن لا تعلمون} ما لكل فريق منكم من العذاب، أي لا يعلم كل فريق مقدار عذاب الفريق الآخر.
- {وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل} لا فضل لكم علينا وإنا متساوون في استحقاق الضعف {فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون} بكسبكم وكفركم، وهو من قول الله لهم جميعا.
{إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء} لا يؤذن لهم في صعود السماء ليدخلوا الجنة، أي لا يصعد لهم عمل صالح ولا تنزل عليهم البركة {ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} حتى يدخل البعير في ثقب الإبرة، أي لا يدخلون الجنة أبدا {وكذلك} ومثل ذلك الجزاء الفظيع الذي وصفنا {نجزي المجرمين} الكافرين بدلالة التكذيب بآيات الله والاستكبار عنها.
([1]) مناجاة الله تعالى معناه مدحه تعالى والثناء عليه ونداؤه لطلب أشياء ودفع أشياء.
([2]) السرف هو الإسراف ومجاوزة الحد، والـمخيلة بفتح الميم وكسر الخاء: الاختيال والكبر.
- تفسير سورة الأعراف من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
