تفسير سورة الأعراف من الآية مئة وواحد وسبعين إلى مئة وثمانين
- تفسير سورة الأعراف من الآية مئة وواحد وسبعين إلى مئة وثمانين
وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون (171) وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين (172) أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون (173) وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون (174) واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين (175) ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون (176) ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون (177) من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون (178) ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون (179) ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون (180) - {وإذ نتقنا الجبل فوقهم} واذكروا إذ قلعناه ورفعناه {كأنه ظلة} هي كل ما أظلك من سقيفة أو سحاب {وظنوا أنه واقع بهم} وعلموا أنه ساقط عليهم، وذلك أنهم أبوا أ يقبلوا أحكام التوراة لغلظها وثقللها فرفع الله الطور على رؤوسهم مقدار عسكرهم وكان فرسخا في فرسخ، وقيل لهم: إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم، فلما نظروا إلى الجبل خر كل رجل منهم ساجدا على حاجبه الأيسر وهو ينظر بعينه اليمنى فرقا من سقوطه، وقلنا لهم: {خذوا ما ءاتيناكم} من الكتاب {بقوة} وعزم على احتمال مشاقه وتكاليفه {واذكروا ما فيه} من الأوامر والنواهي ولا تنسوه {لعلكم تتقون} ما أنتم عليه.
- {وإذ أخذ ربك من بني ءادم} واذكر إذ أخذ {من ظهورهم} من ظهور بني ءادم {ذريتهم} ومعنى أخذ ذرياتهم من ظهورهم إخراجهم من أصلاب ءابائهم {وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا} هذا من باب التمثيل([1])، ومعنى ذلك أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته وشهدت بها عقولهم التي ركبها فيهم، وجعلها مميزة بين الهدى والضلالة، فكأنه أشهدهم على أنفسهم وقررهم وقال لهم: ألست بربكم وكأنهم قالوا: بلى أنت ربنا شهدنا على أنفسنا وأقررنا بوحدانيتك {أن تقولوا} أي: فعلنا ذلك من نصب الأدلة الشاهدة على صحتها العقول لئلا يقولوا {يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} لم ننبه عليه.
- {أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم} فاقتدينا بهم، {أفتهلكنا بما فعل المبطلون} أي كانوا السبب في شركنا لتأسيسهم الشرك وتركه سنة لنا، [والمعنى أنه لا يمكنهم الاحتجاج بذلك] لأن نصب الأدلة على التوحيد وما نبهوا عليه قائم معهم، فلا عذر لهم في الإعراض عنه والاقتداء بالآباء، كما لا عذر لآبائهم في الشرك وأدلة التوحدي منصوبة لهم.
- {وكذلك} ومثل ذلك التفصيل البليغ {نفصل الآيات} لهم {ولعلهم يرجعون} عن شركهم. وذهب جمهور المفسرين إلى أن الله تعالى أخرج ذرية ءادم من ظهر ءادم مثل الذر وأخذ عليهم الميثاق أنه ربهم بقوله: {ألست بربكم}، فأجابوه ببلى، قالوا: وهي الفطرة التي فطر الله الناس عليها.
- {واتل عليهم} على اليهود {نبأ الذي ءاتيناه ءاياتنا} هو عالم من علماء بني إسرائيل، قيل: هو بلعم بن باعوراء أوتي علم بعض كتب الله {فانسلخ منها} فخرج من الآيات بأن كفر بها ونبذها وراء ظهره {فأتبعه الشيطان} فلحقه الشيطان وأدركه وصار قرينا له {فكان من الغاوين} فصار من الضالين الكافرين.
- {ولو شئنا لرفعناه} إلى منازل الأبرار من العلماء {بها} بتلك الآيات {ولكنه أخلد إلى الأرض} مال إلى الدنيا ورغب فيها {واتبع هواه} في إيثار الدنيا ولذاتها على الآخرة ونعيمها {فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه} تزجره وتطرده {يلهث أو تتركه} غير مطرود {يلهث} والمعنى: فصفته التي هي مثل في الخسة والضعة كصفة الكلب في أخس أحواله وأذلها وهي حال دوام اللهث به، وقل: معناه هو ضال وعظ أو ترك {ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا} من اليهود بعد أن قرأوا نعت رسول الله ﷺ في التوراة وذكر القرءان المعجز وما فيه وبشروا الناس باقتراب مبعثه {فاقصص القصص} قصص بلعم الذي هو نحو قصصهم {لعلهم يتفكرون} فيحذرون مثل عاقبته إذا ساروا نحو سيرته.
- {ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا} [قبح مثلا مثل القوم الذين كذبوا بحجج الله تعالى وأدلته فجحدوها حيث وصفوا بصفة الكلب اللاهث] {وأنفسهم كانوا يظلمون} الذين جمعوا بين التكذيب بآيات الله وظلم أنفسهم [إذ جنوا عليها بما يوجب الذم في الدنيا والعقوبة في العقبى].
- 179- {من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل} أي ومن يضلله {فأولئك هم الخاسرون} الهدى من الله تعالى: التوفيق والعصمة والمعونة، ولو كان ذلك للكافر لاهتدى كما اهتدى المؤمن. {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس} هم الكفار من الفريقين الـمعرضون عن تدبر ءايات الله، والله تعالى علم منهم اختيار الكفر [وشاء] منهم الكفر وخلق فيهم ذلك وجعل مصيرهم جهنم لذلك {لهم قلوب لا يفقهون بها} الحق ولا يتفكرون فيه {ولهم أعين لا يبصرون بها} الرشد {ولهم ءاذان لا يسمعون بها} الوعظ {أولئك كالأنعام} في عدم الفقه والنظر للاعتبار والاستماع للتفكر {بل هم أضل} من الأنعام لأنهم كابروا العقول وعاندوا الرسول وارتكبوا الفضول([2])، فالأنعام تطلب منافعها وتهرب عن مضارها، وهم لا يعلمون مضارهم حيث اختاروا النار، وكيف يستوي المكلف المأمور والـمخلى المعذور {أولئك هم الغافلون} الكاملون في الغفلة.
([1]) هذا عند الماتريدية، أما الأشاعرة فأثبتوا أن الأرواح أخرجت من ظهر ءادم وصورت كأمثال الذر واستنطقت فشهدت بالتوحيد حقيقة، وذلك عملا بما ورد من الأحاديث.
- تفسير سورة الأعراف من الآية مئة وواحد وسبعين إلى مئة وثمانين
